قال: فلما جلس على حافة البركة أقبل علي يحدثني ساعة، وإذا بالمائدة قد وضعت بين أيدينا، وإذا عليها من ألوان الطعام ما درج وتطاير في الأسحار، وتناكح في الأوكار من قطاً وسماني وأفراخ حمام وبط مسمن ودجاج محمر وأفراخ رضع وبعلبكات السكر فقال لي: بسم الله يا شيخ يا أبا الحسن، فقلت: لا والله يا مولاي، ما أكلت لك طعاماً ولا شربت لك مداماً، إلا أن قضيت لي حاجتي.
فقال: يا أبا الحسن كان هذا من الأول. أين الكتاب الذي للست بدور؟ فقلت: يا سيدي وما هي الست بدور.
فقال: التي جئت من عندها تطلب شربة من الماء منها، ووجدت عندها الطبيب وجرى لك معها ما هو كيت وكيت.
فقلت: يا مولاي أكنت حاضراً؟ فقال: لو كنت حاضراً فلأي شيء كتبت الكتاب؟ فقلت: هل جاء أحدُ من عندها وأعلمك؟ فقال: إنه لا يجسر أحدٌ من غلمانها أن يقابلني.
فقلت: ولا راح أحد من عندك إليها.
فقال: هي أخس وأحقر منم أن يمضي إليها أحد من عندي.
فقلت: يا سيدي! الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى والوحي ما نزل إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: يا عاقل أما سمعت قول القائل:
قلوب العاشقين لها عيونٌ ... ترى ما لا يراه الناظرونا
وأجنحة تطير بغير ريشٍ ... إلى ملكوت رب العالمينا
فقلت: صدقت يا مولاي، ثم ناولته الكتاب ففضه وقرأه ثم بصق فيه وداسه برجله ورماه في البركة فصعب علي، فلما علم مني ذلك قال: مم غيظك؟ أقعد الليلة عندي كل واشرب وخذ مني الخمسمائة دينار التي وعدتك بها الست بدور، وأنا أحب إليك منها وأنشد يقول:
رأيت شاة وذئباً وهي ماسكة ... بأذنه وهو منقاد لها ساري
فقلت: أعجوبة ثم التفت رأى ... ما بين نابيه ملقى نصف دينار
فقلت للشاة: ماذا الإلف بينكما ... والذئب يسطو بأنياب وأظفار
تبسمت ثم قالت وهي ضاحكة ... بالتبر يكسر ذاك الضيغم الضاري
قال: فلما سمعت كلامه، يا أمير المؤمنين تقدمت وأكلت بحسب الكفاية والنهاية. ثم انتقلنا إلى مجلس الشراب وقدمت بين أيدينا البوطي والسلاحيات، فتناول الأمير عمرو وشرب وسقاني، وأنا أحدثه وأنادمه إلى أن قرب الغروب فقال: يا أبا الحسن، ما لذة الأمير إذا شرب إلى المساء من غير غناء؟ فقلت: يقال: الشراب بلا طرب ولا سماع، الدن أولى به.
فقال لي: قم بسم الله.
فقمت معه إلى مجلس وحضيرة تنقط بالذهب واللازورد العجيب، وهي مزخرفة قد عبقت أزهارها وضحكت سلاحيتها وصفت بواطيها ورفعت أقداحها فجلس الأمير عمرو وأجلسني بجانبه وقدمت بين أيدينا الشموع وأسرجت القناديل فنظرت إلى مجلس عجيب وحضيرة مليحة ثم قلت: يا مولاي، قد تقدم القول إن الشراب بلا سماع، الدن أولى به، فصفق بكف وإذا بثلاث جوار قد أقبلن كأنهن الأقمار. الواحدة تحمل عوداً، والثانية تحمل دفاً، والثالثة تحمل مزماراً ثم نقرت الدفية على دفها، وأًلحت العودية عودها وزمرت الزامرة بمزمارها فخيل إلي أن المجلس الذي نحن فيه يرقص بنا ثم إن الدفية غنت تقول:
أحبابنا إنني من يوم فرقتكم ... على فراش الضنا ما زلت مضطجعا
داويت قلبي بحسن الصبر بعدكم ... عسى يفيق من الأسقام ما نفعا
فوالله يا أمير المؤمنين لقد طربت غاية الطرب من حسن صوتها. فلما فرغت الدفية ضربت العودية على عودها طرقاً عديدة، ثم رجعت إلى الطريقة الأولى وأنشدت تقول:
أمؤنس طرفي لا خلا منك ناظري ... وجامع شملي لا خلا منك مجلسي
ويا ساكناً قلبي وما فيه غيره ... يحل فما استوحشت فيه لمؤنسي
وبالله يا أغنى الورى من ملاحةٍ ... تصدق على صب من الصبر مفلس
أنلني الرضا حتى أغيظ به العدا ... ويا موحشي من بعد ما كان مؤنسي
رضاك الذي إن نلته نلت رفعةً ... وألبسني في الناس أشرف ملبس
قال: والله يا أمير المؤمنين لم نتمالك عقولنا من الطرب، ثم التفتت العودية نحو الدفية وقالت لها: يا فلانة أتحسني أن تقولي مثل هذا؟ فقالت الدفية: أنا أحفظ أبياتاً ما أظن أنك تحفظين لهن وزناً ولا قافية ولا عَروضاً.
فقالت العودية: هات ما عندك.