رقت عن الماء حتى ما يلائمها ... لطافةً وجفا عن شكلها الماء
فلو مزجت بها نوراً لمازجها ... حتى تَولد أنوارٌ وأضواءُ
دارت على فتية دان الزمان لهم ... فما يُصيبهمو إلا بما شاؤوا
فقل لمن يدعي في العلم فلسفةً ... حفظت شيئاً وغاب عنك أشياء
وقال الشاعر:
كعصفورةٍ في كف طفلٍ يهينها ... تذوق مرار الموت، والطفل يلعب
فلا الطفل ذو عقل يرق لحالها ... ولا الطيرُ مطلوق الجناحين يهرب
الفخ والعصفور
وروى البيهقي في الشعب عن مالك بن دينار. قال: مثل قراء هذا الزمان مثل رجل نصب فخاً، فجاء عصفورٌ، فدنا إلى الفخ وقال: ما لك متغيباً في التراب؟ فقال: للتواضع، فقال: فمم انحنيت؟ قال: من طول العبادة.
قال: فما هذه الحبة التي في فيك؟ قال: أعددتها للصائمين.
فلما تناول الحبة أمسك الفخ عنقه، فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في هذه العبادة اليوم، انتهى.
إحدى النصائح
قال الشافعي رضي الله عنه أربعة أشياء تزيد في الجماع: أكل العصافير، وأكل الإطريفل، وأكل الفستق، وأكل الجرجير، وأربعة أشياء تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، والعمل بالعلم. وأربعة تقوي البدن: أكل اللحم، وشم الطيب، وكثرة الغسل من غير جماع، ولبس الكتان. وأربعة توهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، وكثرة أكل الحموضة، انتهى من حرف العين.
ابن الخياط والمهدي
ودخل ابن الخياط المكي على المهدي ومدحه فأمر له بخمسين ألف درهم، فسأله أن يأذن له في تقبيل يده، فأذن له فقبلها وخرج، فلما انتهى إلى الباب حتى فرقها جميعاً فعوتب في ذلك، فأنشد يقول:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوي الغنى ... أفدتُ وأعداني فأتلفت ما عندي
فغني بهما المهدي، فأمر له بخمسين ألف دينار، انتهى.
ولبعضهم تغزلاً في مليح:
أقولُ لمقلتيه حين ناما ... وسحر النوم في الأجفانِ سار
تبارك من توفاكم بليلٍ ... ويعلم ما جرحتم بالنهار
الإمام أحمد بن حنبل ومناقبه
رضي الله تعالى عنه
مات سنة مائتين وإحدى وأربعين، وحرر من حضر في جنازته: فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً، وأسلم يوم موته رضي الله عنه: عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس، انتهى.
وقال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: إن المتوكل أمر أن يقاس الموضع الذي وقف الناس فيه للصلاة على الإمام أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة، وقد حزن عليه رضي الله تعالى عنه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس، وقال محمد بن خزيمة: لما بلغني موت الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، اغتممت غماً شديداً، فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته، فقلت: يا أبا عبد الله ما هذه المشية؟ فقال: مشية الخدام في دار السلام.
فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب.
وقال: يا أحمد هذا بقولك: القرآن كلامي غير مخلوق. ثم قال الله تعالى: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان التي كانت تدعو بهن في دار الدنيا.
فقلت: ريا رب أسألك بقدرتك على كل شيء أن لا تسألني عن شيء واغفر لي كل شيء.
فقال جل وعلا: يا أحمد هذه الجنة، فادخل فيها. وأنشد بعضهم في تاريخ موت الأئمة الأربعة ومولدهم: الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين:
تاريخ نعمان يكن سيف سطا ... ومالك في قطع جوف ضبطا
والشافعيُّ صينَ ببرندِ ... وأحمد يسبق أمر جعد
فخذ على ترتيب نظم الشعر ... ميلادهم فموتهم فالعمر
وكذا في تاريخ الأئمة الخمسة المحدثين، الإمام الترمذي وأبو داود والإمام مسلم والنسائي والإمام البخاري، وقد جمع ذلك بعضهم في بيت واحد فقال:
إذا رمت الحديث فلذ بخمس ... تكن مثل المشافه في الحياة
تعطر درعه ما رص نسجٌ ... بنور للمحدث للوفاة