FluentPlex

The Barmakids

إبراهيم بن المهدي والمأمون

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

قال: فأقمت أياماً في أطيب عيش وأهناه، ثم سئمت من الإقامة عنده وخشيت الثقل عليه، فتركني ومضى يجدد لنا حالنا، فلبست ثيابي وتزينت بزي النساء بالخف والنقاب، وخرجت. فلما صرت في الطريق داخلني من الخوف والفزع أمر شديد ومشيت لأعبر الجسر، وإذا هو قد رش، ورجل قائم فأبصرني بعض من كان في خدمتي من الجند فتعلق بين وقال: طلبة أمير المؤمنين، فدفعته في صدره فوقع في الزلق وصار عبرة وتبادر الناس إليه فاجتهدت في المشي حتى قطعت الجسر، ودخلت زقاقاً فوجدت باباً وامرأة واقفة فيه، فقلت: يا سيدة النساء، احقني دمي فإني رجل خائف.

فقالت: ادخل، فدخلت فأطلعتني إلى غرفة وفرشت لي وقدمت لي طعاماً. وقالت: ليهدأ روعك فإنه لا يعلم بك مخلوق، ولو أقمت سنة ما عليك بأس، وإذا بالباب يدق، فخرجت وفتحت الباب، فإذا هو صاحبي الذي دفعته على الجسر، وهو مشدوخ الرأس ودمه يسيل على ثيابه، فقالت له ما دهاك؟ قال: إن حديثي عجيب وأمري غريب ظفرت بالفتى وانفلت من يدي.

قالت: وكيف؟ قال: إبراهيم بن المهدي لقيته فتعلقت به فدفعني فأصابني ما ترين من حالي ولو حملته إلى أمير المؤمنين لأخذت منه مائة ألف درهم.

قال: فأخرجت له حراقاً وذروراً، وفرشت له بعد كبس جرحه فنام قليلاً وطلعت وقالت لي: أظنك صاحب القصة؟ قلت: نعم.

فقالت لي: إني خائفة عليك، ثم جددت لي الكرامة وأقمت عندها ثلاثة أيام، ثم قالت لي: إني خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع على أمرك فينم عليك فانج بنفسك.

فسألتها إمهالي إلى الليل. فلما دخل لبست زي النساء وخرجت منم عندها وأتيت إلى بيت مولاة لنا، فلما رأتني بكت وتوجعت وحمدت الله تعالى على سلامتي وخرجت كأنه تريد كرامتي، فتوجهت للسوق مظهرة الاهتمام للضيافة فظننت خيراً، فلم أشعر إلا بإبراهيم الموصلي بخيله ورجاله، والمولاة معه حتى سلمتني إليه، فرأيت الموت عياناً، وحملت مثل ما أنا إلى أمير المؤمنين، فجلس مجلساً عاماً، وأمر بإدخالي عليه، فلما مثلت بين يديه سلمت عليه سلام الخلافة، فقال: لا سلمك الله، ولا حفظك ولا رعاك.

فقلت: يا أمير المؤمنين، إن ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى، ومن تناولته يد الأقدار ربما مد له من أسباب الرجاء ما يأمن معه عادية الدهر، وقد جعلك الله فوق خلقه، وأصبح عفوك فوق كل ذي عفو، فإن تأخذ فبحقك، وإن تعف فبفضل، وأنشدت أقول:

ذنبي إليك عظيموأنت أعظم منهفخذ بحقك أولا

واصفح بحلمك عنهإن لم أكن في فعاليمن الكرام فكنه

قال: فرفع رأسه إلي، فقلت مبتدراً:

أتيت ذنباً عظيماً ... وأنت للعفو أهل

فإن عفوت فمن ... وإن جزيت فعدل

قال: فرق المأمون واسترجع فرأيت روائح الرحمة في شمائله، ثم أقبل على أخيه أبي إسحاق محمد المعتصم وابنه العباس وجميع من حضر من خصته، وقال: ما ترون في أمره؟ فأشار الكل بقتلي، إلا أنهم اختلفوا في القتل، فقال المأمون لأحمد بن أبي خالد: ما تقول يا أحمد؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن قتلته فقد وجدنا مثلك قتل مثله، وإن عفوت لم نجد مثلك في العفو.

فنكس المأمون رأسه إلى الأرض وجعل يخط في الأرض بإصبعه، ثم رفع رأسه وقال:

قومي هموا قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي

ثم قال المأمون: لا بأس عليك يا عم.

فقلت: ذنبي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أفوه معه بعذر، وعفوك أعظم من أن أنطق معه بشكر، ولكن أقول:

إن الذي خلق المكارم حازها ... في صلب آدم للإمام السابع

ملئت قلوب الناس منك مهابةً ... وتظل تكلؤهم بقلبٍ خاشع

ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع

وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو، ولم يشفع إليك بشافع

ورحمت أشباحاً كأفراخ القطا ... وحنين والدةٍ بقلب جازع

فقال المأمون: لا تثريب اليوم عليك، قد عفوت عنك، ورددت عليك مالك وضياعك، فأنشدت أقول:

رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي

أمنت منك وقد خولتني نعماً ... نعم الحياتان من موت ومن عدم

فلو بذلت دمعي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا