FluentPlex

The Barmakids

إبراهيم بن المهدي والمأمون

Original text Public domain

Read with the dictionary

وكان لي حاجة إلى الطعام فقمت وطبخت قدراً ما ظننت أني أكلت مثلها قدراً، فلما قضيت أربي، قال لي: هل لك أن تشرب شيئاً فإنه يسلي الهم ويزيل الغم، ويمهد للنفس الفرح؟ قلت: ما أكره ذلك، رغبة في مؤنسته.

فأتى بقطرميز جديد وأحضر لي نقلاً وفاكهة في أوان جدد من فخار، ثم قل بعد ذلك: إن أذنت لي، جعلت فداك أن أقعد بناحية منك وآتي بشراب فأشرب مسروراً بك.

فقلت: افعل.

ففعل وشرب ثلاثاً، ثم خل إلى خزانة له: فأخرج عوداً مصلحاً، ثم قال: يا سيدي ليس من قدري أن أسألك أن تغني، ولكن قد وجب على مروءتك حرمتي، فإن رأيت أن تشرف عبدك بأن تغني لنفسك والعبد يسمع فافعل.

فقلت له: ومن أين لك أني أحسن الغناء؟ فقال متعجباً: سبحان الله! أنت أشهر من ذلك، أنت إبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس الذي جعل المأمون لمن يدل عليك مائة ألف درهم.

فلما قال ذلك عظمت مروءته عندي، وعلمت أن نخوته أجل مما بذل، فتناولت العود فأصلحته، وقد مر بخاطري ذكر أهلي وولدي، فقلت:

وعسى الذي أهدى ليوسف أهله ... وأعزه في السجن وهو غريب

أن يستجيب لنا فيجمع شملنا ... فالله رب العالمين قريب

فقال: يا سيدي اجعل ما تغنيه مما أقتضيك به.

قلت: نعم. فقال: غن لي:

إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره، فهو يملك حلها

فاصبر، فإن الله يعقب راحةً ... فلعلها أن تنجلي، فلعلها

فحسن عندي اقتراحه وشربت، ثم قال لي: غن لي:

وراء مضيق الخوف متسع الأمن ... وأول مفروح به آخر الحزن

فلا تيأسن فالله ملك يوسفاً ... خزائنه بعد الخلاص من السجن

ففرح وشرب وشربت، وقال: غن لي:

إذا الحادثات بلغن النهى ... وكادت لهن تذوب المهج

وحل البلاء وقل العزاء ... فعند التناهي يكون الفرج

وغنيته وحسن في نفسي اقتضاؤه، وأنست به، واستظرفته، ثم قال: إن رأيت يا سيدي أن تأذن لي أن أغني ما خطر ببالي، وإن كنت من غير أهل الصناعة؟ فقلت: يكون ذلك زيادةً في أدبك ومروءتك.

فأخذ العود، ثم قال: دستور، ثم ضرب عليه، وغنى يقول:

شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقالوا لنا: ما أقصر الليل عندنا

وذاك لأن النوم يغشى عيونهم ... سريعاً ولا يغشى لنا النوم أعينا

إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى ... جزعنا، وهم يستبشرون إذا دنا

فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما ... نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا

فقلت: والله ذهب عني كل ما كان عندي من الفزع وسألته أن يغني، فغنى يقول:

تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل

وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز، وجار الأكثرين ذليل

وإنا لقوم لا نرى الموت سبةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلول

يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول

فوالله لقد أجاد وذهب عني كل ما كان من الفزع والجزع، واستأنست به وأخذني من الطرب ما لا مزيد عليه، وعالجني النوم قبل أوانه فنمت، ولم أستيقظ إلا بعد المغرب، وجال فكري في هذا الحجام وأدبه وظرفه، وكيف غناؤه وأدبه وإرادته أن يسليني عما أنا فيه إشارة إلى تخصيصه بالوفاء لضيفه ونصره لجاره، فقعدت وغسلت وجهي ويقظته، وأخذت خريطة كانت صحبتي فيها دناينر ومصاغ لها قيمة فدفعتها إليه، وقلت له: أنت في وداعة الله وحفظه فإني ماض عنك، وأسألك أن تصرف ما في هذه الخريطة في بعض مهماتك، ولك عندي، إذا أمنت، المزيد، فأعادها علي مبادراً وقال: يا سيدي! الصعلوك لا قيمة له عند أهل الرياسات، ويظنون فيه الظنون الرديئة، أفآخذ على ما وهبني الله من قربك وحلولك في منزلي ثمناً؟ لا والله، فألححت عليه، فأخذ موسى بيده وقال: والله إن راجعتني لأنحرن نفسي، فخشيت عليه وأخذت الخريطة وأثقلني حملها، فلما انتهيت إلى باب الدار، قال: يا سيدي إن هذا الموضع أخفى لك من غيره، وليس عندي في مؤنتك ثقلة، فأقم عندي إلى أن يفرج الله عنك. فرجعت وسألته أن يكون منفقاً من تلك الخريطة فلم يفعل، وكان كل يوم يفعل بي مثل ما فعل في اليوم الأول.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account