لأنه وصف نفسه في موضع بسمو الهمة وقلة الرضا بدنيء المعيشة، وأطرة في موضع آخر القناعة، وأخبر عن اكتفاء الإنسان بشبعه وريّه. وقد رد قدامة على هذا العائب فقال: ((أقول: إنه لو تصفح أولاً قول امرئ القيس حق تصفحه لم يجد معنى ناقص معنى، فالمعنيان في الشعرين متفقان إلا أنه زاد في أحدهما زيادة لا تنقض ما في الآخر، وليس لأحد ممنوعاً من الإتساع في المعاني التي لا تتناقض، وذلك أنه قال في أحد المعنيين: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
وهذا موافق لقوله: (وحسبك من غنى شبع وري) ولكن في المعنى الأول زيادة ليست بناقضة لشيء، وهو قوله: لكني لست أسعى لما يكفيني ولكن لمجد أؤثله، فالمعنيان اللذان ينبئان عن اكتفاء الإنسان باليسير متوافقان في الشعرين، والزيادة في الشعر الأول التي دل بها على بعد خمته ليستن تنقض واحداً منهما ولا تنسخه، وأرى أن هذا العائب ظن امرأ القيس قال في أحد الشعرين: إن القليل يكفيه، وفي الآخر لا يكفيه، وقد ظهر بما قلنا أن هذا الشاعر لم يقل شيئاً من ذلك ولا ذهب إليه، ومع ذلك فلو قاله وذهب إليه لم يكن عندي مخطئاً من أجل أنه لم يكن في شرط شرطه يحتاج إلى أن لا ينقض بعضه بعضاً، ولا في معنى سلكه في كلمة واحدة أيضاً)).
(ومن التناقض) على طريق المضاف قول عبد الرحمن بن عبد الله القيسي: فإنّي إذا ما الموت حلّ بنفسها يزال بنفسي قبل ذلك فأقبر
قال قدامة: ((جمع بين قبل وبعد، وهما من المضاف، لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد إلا لقبل، حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها، وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون له جواب يأتي، وجوابه قوله: يزال بنفسه قبل ذلك، وهذا شبيه بقول قائل: لو قال: إذا انكسرت الجرة انكسر الكوز قبلها)). وقال أبو هلال: ((هذا شبيه بقول قائل: إذا دخل زيد الدار دخل عمرو قبله)).
(ومما أخذوه) على الأعشى قوله: شتّان ما يومي على كورها ويوم حيّان أخي جابر