وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال حدّثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبي عن أبيه عن أشياخ من بني الحارث بن كعب قالوا: أجدبت بلاد مذحج فأرسلوا رواداً من كل بطن رجلاً، فبعثت بنو زبيد رائداً، وبعثت النخع رائداً، وبعثت جعفي رائداً، فلما رجع الرواد قيل لرائد بني زبيد: ما وراءك؟ قال: رأيت أرضاً موشمة البقاع، ناتحة النقاع؛ مستحلسة الغيطان، ضاحكة القريان؛ واعدةً وأحر بوفائها، راضيةً أرضها عن سمائها. وقيل لرائد جعفي: ما وراءك؟ قال: رأيت أرضاً جمعت السماء أقطارها، فأمرعت أصبارها، وديثت أوعارها؛ فبطنانها غمقة، وظهرانها غدقة، ورياضها مستوسقة، ورقاقها رائخ، وواطئها سائخ، وماشيها مسرور، ومصرمها محسور. وقيل للنخعي: ما وراءك؟ فقال: مداحي سيل، وزهاء ليل، وغيلٌ يواصي غيلاً؛ قد ارتوت أجرازها، ودمث عزازها - وقال مرة: ودمث - والتبدت أقوازها؛ فرائدها أنق، وراعيها سنق؛ فلا قضض، ولا رمض؛ عازبها لا يفزع، وواردها لا ينكع؛ فاختاروا مراد النخعي.
قال أبو علي: قال الأصمعي: أوشمت السماء إذا بدا فيها برق، وأوشمت الأرض إذا بدا فيها نبت، وأنشد:
كم من كعاب كالمهاة الموشم
وهي التي قد نبت لها وشم من النبات ترعى فيه، هذا قوله في كتاب الصفات، وقال في كتاب النبات: أوشمت الأرض إذا بدا فيها شيء من النبات. وناتحة: راشحة، كذا قال أبو بكر. وقال: المسحلسة: التي قد جللت الأرض بنباتها، وقال الأضمعي: استحلس النبت إذا غطى الأرض أو كاد يغطيها، والمعنى واحد. والقريان: مجاري الماء إلى الرياض، واحدها قرى، وقرأت على أبي بكر في كتاب الصفات للعجاج:
ماء قري مده قري
وواعده: تعد تمام نباتها وخيرها، وأنشد الأصمعي:
رعى غير مذعور بهنّ وراقه ... لعاع تهاداه الدكادك واعد
وأحر: أخلق. السماء: المطر ها هنا، يريد أن المطر جاد بها فطال النبت فصار المطر كأنه قد جمع أكنافه، وأنشد ابن قتيبة:
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
وقال أبو بكر: يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، أي مواقع الغيث، وأمرعت: أعشبت وطال نباتها، يقال: أمرع المكان ومرع، فهو ممرع ومريع؛ قال الشاعر:
يقيم أمورها ويذب عنها ... ويترك جدبها أبداً مريعاً
والأصبار: نواحي الوادي ما علا منه. وديثت: لينت. والأوعار جمع وعر، وهو الغلظ والخشونة والبطنان جمع بطن، وهو ما غمص من الأرض. وغمقة: ندية، كذا قال أبو بكر، وروى أبو عبيد الأصمعي في صفة الأرضين: فإن أصابها ندىً وثقلٌ ووخامةٌ فهي غمقةٌ، وذكر الحديث: " إن الأردن أرضٌ غمقةٌ وإن الجابية أرضٌ نزهةٌ " أي بعيدة من الوباء. والظهران جمع ظهر، وهو ما ارتفع يسيراً. وغدقة: كثيرة البلل والماء. ومستوسقة: منتظمة. والرقاق: الأرض اللينة من غير رمل. ورائخ: مفرط اللين، يقال: ريخت العجين إذا كثرت ماءه، وراخ العجين يريخ. وقوله: وواطئها سائخ، أي تسوخ رجلاه في الأرض من لينها، تسوخ وتثوخ بمعنى واحد؛ وحدثني أبو بكر قال: قال الأصمعي: لم يكن لأبي ذؤيب بصرٌ بالخيل لقوله:
قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالني فهي تثوخ فيها الإصبع
قال: وهذا عيب في الفرس أن يكون رخو اللحم. والماشي: صاحب الماشية. والمصرم: المقلّ المقارب المال. ومداحي: مفاعل من دحوته إذا بسطته، قال الله تبارك وتعالى: " والأرض بعد ذلك دحاها " أي بسطها، ودحوت الكرة إذا ضربتها حتى تسير على وجه الأرض. وقوله: وزهاء ليل، فالزهاء: الشخص، وإنما جعل نباتها زهاء ليل لشدة خضرته. والغيل: الماء الجاري على وجه الأرض، وفي الحديث: " ما سقي بالغيل ففيه العشر وما سقي بالدلو فنصف العشر " . ويواصي: يواصل. والأجزار جمع جُزُر، وهي التي لم يصبها المطر، ويقال: التي قد أُكل نباتها. ودُمث: لُيّن، ودمث: لان. والعزاز: الصلب السريع السيل، وكذلك النزل والجلد. والأقواز جمع قوز، قال الأصمعي: القوز: نقي يستدير كالهلال، وجمعه أقواز وقيزان؛ وأنشد الأصمعي قول الراحز:
لما رأى الرمل وقيزان الغضى ... والبقر الملمّعات بالشوى
بكى وقال هل ترون ما أرى