قال أبو العباس: الخموش: الخدوش، وهذا رجل قتل من قومه قتلى، فكان نساؤهم يخمشن وجوههن عليهم، فأصابوا بعد ذلك منهم قتلى، فصار نساء الآخرين يخمشن وجوههن عليهن.يقول: لما قتلنا منهم قتلى بعد القتلى الذين كانوا قتلوا منا، حولنا الخموش عن وجوه نسائنا إلى وجوه نسائهم. قال وهذا مثل قول عمرو بن معد يكرب.
عجت نساء بنى زبيدٍ عجةً ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
قال أبو العباس: العجة: الصوت. والأرنب: موضع. والمجلد: جلدة تمسكها النائحة بيدها، وربما أشارت بها إلى وجهها كأنها ت لطمه بها، وأنشد:
وخرجن حريراتٍ وأبدين مجلدا ... ودارت عليهن المقرمة الصفر
قال أبو العباس: حريرات: حارات الأجواف من الحزن. وقوله: دارت عليهن المقزمة الصفر، يقول: سبين فأجيلت عليهن القداح ليؤخذن أسها، قال ويروى: المكتبة الصفر، يعنى السهام التى عليها أسماء أصحابها مكتوبة؛ ولم يفسر أبو العباس مقرمة ولا أبو بكر.
قال أبو على: وأنا أقول مقرمة: معضضة، وذلك أن الرجل كان يعلم قدحه بالعض.
وحدثنا أبو بكر قال حدثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن هشام بن محمد بن أبى محنف عن أشياخ من علماء قضاعة قالوا: كان ثلاثة أبطن من قضاعة مجتورين بين الشحر وحضرموت: بنو ناعب، وبنو داهنٍ، وبنو رئام، وكان بنو رئام أقلهم عددا وأشجعهم لقاء، وكانت لبنى رئام عجوز تسمى خويلة، وكانت لها أمة من مولدات العرب تسمى زبراء، وكان يدخل على خويلة أربعون رجلا كلهم لها محرم، بنو إخوة وبنو أخوات، وكانت خويلة عقيما، وكان بنو ناعب وبنو داهن متظاهرين على بنى رئام، فاجتمع بنو رئام ذات يوم فى عرس لهم وهم سبعون رجلا كلهم شجاع بئيس، فطعموا وأقبلوا على شرابهم، وكانت زبراء كاهنة، فقالن لخويلة: انطلقى بنا إلى قوسك أنذرهم، فأقبلت خويلة تتوكأ على زبراء، فلما أبصرها القوم قاموا إجلالا لها، فقالت: يا ثمر الأكباد، وأنداد الأولاد، وشجا الحساد؛ هذه زبراء، تخبركم عن أنباء، قبل انحسار الظلماء، بالمؤيد الشنعاء، فاسمعوا ما تقول. قالوا: وما تقولين يا زبراء؟ قالت: واللوح الخافق، والليل الغاسق، والصباح الشارق، والنجم الطارق، والمزن الوادق؛ إن شجر الوادى ليأدو ختلا، ويحرق أنياباً عصلاً، وإن صخر الطود لينذر ثكلا، لا تجدون عنه معلا؛ فوافقت قوما أشارى سكارى؛ فقالوا: ريح حجوج، بعيدة ما بين الشفروج، أتت زبراء بالأبلق النتوج. فقالت زبراء: مهلاً يا بنى الأعزة، والله إنى لأشم ذفر الرجال تحت الحديد، فقال لا فتى منهم يقال له هذيل بن منقذ: يا خذاق، والله ما تسمين إلا دفر إبطيك، فانصرفت عنه وارتاب قوم من ذوى أسنانهم، فانصرف منهم أربعون رجلا وبقى ثلاثون فرقدوا فى مشربهم، وطرقتهم بنو داهن وبنو ناغب فقتلوهم أجمعين، وأقبلت خويلة مع الصباح فوقفت على مصارعهم، ثم عمدت إل خناصرهم فقطعتها، وانتظمت منها قلادةً وألقتها فى عنقها، وخرجت حتى لحقت بمرضاوى بن سعوة المهرى، وهو ابن اختها، فأناخت بفنائه وأنشأت تقول:
يا خير معتمدٍ وأمنع ملجإٍ ... وأعز منتقم وأدرك طالب
جاءتك وافدة الثكالى تغتلى ... بسوادها فوق الفضاء الناضب
غير أنه سرح اليدين شملة ... عبر الهواجر كالهزف الخاضب
هذى خناصر أسرتى مسرودةً ... فى الجيد منى مثل سمط الكاعب
عشرون مقتبلا وشطر عديدهم ... صيابة ملقوم غير أشايب
طرقتهم أم اللهيم فأصبحوا ... تستن فوقهم ذيول حواصب
جزراً لعافية الخوامع بعدما ... كانوا الغياث من الزمان اللاحب
فسمت رجال بنى أبيهم بينهم ... جرع الردى بمخارصٍ وقواضب
فأبرد غليل خويلة الثكلى التى ... رميت بأثقل من صخور الصاقب
وتلاف قبل الفوت ثأرى إنه ... علق بثوبى داهنٍ أو ناعب
فقال: حجر عل مرضاوى الأعذبان والأحمران، أو يقتل بعدد رئامٍ من داهنٍ وناعب، ثم قال:
أخالتنا سر النساء محرم ... على وتشهاد الندامى على الخمر