قال أبو علي رحمه اللّه وحدثنا أبو بكر بن البستنبان قال حدّثنا أبو يعلى عن الأصمعي قال: شهدت أعرابياً عشية عرفة بالموقف فسمعته يقول: اللهم إن هذه العشّية من عشايا منحتك، وأحد أيام زلفتك؛ فيها يقضّ إليك بالهمم، بكل لسان تدعى، وكلُّ خيرك فيها يبغى؛ أتتك الضّوامر من الفجّ العميق، وجابت إليك المهارق من شعب المضيق؛ ترجو ما لا خلف له من وعدك، ولا متّرك له من عظيم أجرك، أبرزت إليك وجوهها المصونة صابرةً على لفح السّمائم، وبرد ليل التمائم، ليدركوا بذلك رضوانك؛ ثم انتخب وبكى ورفع يدبه وطرفه إلى السماء، ثم أنشأ يقول: إلهي إن كنت مددت يدي إليك داعياً، فطالما كفيتني ساهياً، نعمتك تظاهرها علىّ عند القفلة، فكيف أياس منها عند الرّجعة؛ ولا أترك رجاءك لما قدّمت من اقتراف آثامك، وإن كنت لا أصل إليك إلا بك؛ فهب لي يا ربّ الصّلاح في الولد، والأمن في البلد، وعافني من شرّ الحسد، ومن شرّ الدّهر النّكد.
قال وحدثنا أبو يعلي عن الأصمعي قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه المزني عن أبيه عن بلال بن سعد قال: قضى سعد بن أبي وقاص لحرقة بنت النّعمان حاجةً سألته إياها، فكان من دعائها له: لا جعل اللّه لك إلى لئيم حاجةً، ولا أزال لك عن كريم نعمة، ولا زالت عن عبد صالح نعمةٌ إلا جعلك سبباً لردّها.
" ما كان ينشده عمر بن عبد العزيز من شعر عبد اللّه القرشي " وحدثنا أبو بكر بن دريد عن بعض أشياخه قال كان عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه كثيراً ما ينشد شعر عبد اللّه بن عبد الأعلى القرشي:
تجهّزي بجهازٍ تبلغين به ... يا نفس قبل الرّدى لم تخلقي عبثاً
وسابقي بغتة الآجال وانكمشي ... قبل اللّزام فلا منجى ولا غوثاً
ولا تكدّي لمن يبقى وتفتقري ... إنّ الرّدى وارث الباقي وما ورثا
واخشي حوادث صرف الدّهر في مهلٍ ... واستيقني لا تكوني كالذي انتجا
عن مديةٍ كان فيها قطع مدّته ... فوافق الحرث موفوراً كما حرثا
لا تأمني فجع دهرٍ مورطٍ خبلٍ ... قد استوى عنده ما طاب أو خبثا
يا ربَّ ذي أملٍ فيه على وجلٍ ... أضحى به آمناً أمسى وقد جئثا
من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشّين والشّعثا
ويألف الظّلّ كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا
قي قعر موحشةٍ غبراء مقفرةٍ ... يطيل تحت الثّرى في رمسها اللّبثا
قال الكسائي: جئث الرجل جأثاً فهو مجؤث، وجثَّ جثاً فهو مجثوث، وزئد زؤداً وزءوداً فهو مزءود، قال أبو كبير الهذليّ:
حملت به في ليلة مزءودة ... كرهاً وعقد نطاقها لم يحلل
وقال أبو زيد: شئف شأفاً فهو مشئوف إذا فزع. وقال غيره: الوهل: الفزع. والإجئلال مثل الاجعلال: الفزع، وأنشد:
للقلب من خوفه اجئلال
وقال أبو عمرو: أذأب فهو مذئبٌ إذا فزع. وقال الفراء: وترته بغير همز إذا أفزعته، وقال الأصمعي: والعلة: الذي يستخفٌ فيذهب ويجئ من الفزع. وقال أبو عمرو: ضاعني الشيء: أفزعني، قال أبو علي: والضّوع عندي: الحركة من فزع كان أو غيره، قال الشاعر - وهو أبو ذؤيب الهذلي - :
فريحان ينضاعان في الفجر كلّما ... أحسّا دويّ الرّيح أو صوت ناعب
ومنه قيل: تضوّع المسك أي تحرّك ريحه. وقال غبره: الإفزاز: الإفزاع، وأنشد لأبي ذؤيب:
والدّهر لا يبقى على حدثانه ... شببٌ أفزتّه الكلاب مروّع
قال أبو علي: الشّبب والشّبوب والمشبّ: المسنّ من الثيران، قال: والافزار عندي: الأستخفاف، وأفزّته: استخفّته، ومنه قيل لولد البقرة: فزّ، لأنه يستخفّه كلّ شيء رآه أو أحسّ به. قال أبو زيد يقال: أخذني منه الأزيب أي الفزع.
" مراثٍ لبعض الشعراء " وقرأت على أبي عمر في نوادر ابن الأعرابي عن ابن الأعرابي هذه الأبيات:
أين خليلي الذي أصافيه ... قد بان عنّي فما ألاقيه
حلّ برمسٍ فما يكلّمني ... شغلاً وإن كنت قد أناديه
قد كان براًّ فكيف أجفوه ... أيام يدني وكنت أدينه