قال وحدثنا أبو بكر رحمه اللّه قال حدّثنا عبد الرحمن عن عمه قال: دخلت على امرأة من العرب بأعلى الأرض في خباءٍ لها وبين يديها نبيٌ لها قد نزل به الموت، فقامت إليه فأغمضته وعصّبته وسجّته، ثم قالت: يا بن أخي، قلت: ما تشائين؟ قالت: ما أحقّ من ألبس النّعمة وأطيلت به النّظرة أن لا يدع التّوثق من نفسه قبل حلّ عقدته والحلول بعقوته والمحالة بينه وبين نفسه، قال: وما يقطر من عينها قطرةٌ صبراً واحتساباً، ثم نظرت إليه فقالت: واللّه ما كان مالك لبطنك ولا أمرك لعرسك! ثم أنشدت تقول:
رحيب الذّراع بالتي لا تشينه ... وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا
قال وأنشدني أبو محمد عبد اللّه بن جعفر النحوي قال أنشدنا أبو العباس محمد بن يزيد قال أنشدني الخثعمي لنفسه:
أيّها النّاعيان من تنعيان ... وعلى من أراكما تبكيان
نعيا الثّاقب الزنّاد أبا إس ... حاق ربّ المعروف والإحسان
إذهبا بي إن لم يكن لكما عق ... ر إلى ترب قبره فاعقراني
وانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان
" شرح أبيات لضمرة بن ضمرة " قال وقرأت على أبي بكر الأنباري في كتابه، وقرئ عليه في المعاني الكبير ليعقوب بن السّكّيت وأنا أسمع قال وقرأت بعض هذه الأبيات على أبي بكر بن دريد في كتاب النوادر لابن دريد قال ضمرة ابن ضمرة:
بكرت تلومك بعد وهنٍ في النّدى ... بسلٌ عليك ملامتي وعتابي
ولقد علمت فلا تظنّي غيره ... أن سوف تخلجني سبيل صحابي
أأصرّها وبنّي عمّي ساغبٌ ... فكفاك من إبةٍ عليّ وعاب
أرأيت إن صرخت بليلٍ هامتي ... وخرجت منها بالياً أثوابي
هل تخمشن إبلي عليّ وجوهها ... أم تعصبنّ رءوسها بسلاب
قال أبو علي: بكرت: عجلت، ومنه باكورة الرّطب والفاكهة وهو المتعجّل منه، ولم يرد الغدّو، ألا تراه قال: بعد وهنٍ أي بعد نومة، والعرب تقول: أنا أُبكّر إليك العشيّة أي أُعجل ذلك وأسرعه. والبسل: الحرام هاهنا، قال زهير:
بلادٌ بها نادمتهم وألفتهم ... فإن تقويا منهم فإنهما بسل
أي حرام، قال أبو حاتم يقال: للواحد والإثنين والجماعة والمؤنث والمذكر بسلٌ بلفظ الواحد، كما يقال: رجل عدل وقوم عدل. والبسل في غير هذا: الحلال وهو من الأضداد قال أنشدني أبو بكر بن دريد رحمه اللّه قال أنشدنا أبو حاتم عن أبي زيد:
زيادتنا نعمان لا تحرمنّنا ... تقِ اللّه فينا والكتاب الذي نتلو
أيثبت ما زدتم وتلغى زيادتي ... دمي إن أسيغت هذه لكم بسل
أي حلال. وتخلجني: تجذبني، ومنه قيل للماء: خليج لأنه انجذب إلى جهة من الجهات، ومنه قيل للّجام: خليج لأنه يجذب الدابة ويمكن أن يكون فعيلاً في معنى مفعول لأنه يخلج أي يجذب. والسّغب: الجوع والمسغبة: المجاعة؛ والساغب: الجائع. والإبة الحياء، يقال: أوأبته فاتأب مثل اتّعد؛ وحكى يعقوب عن أبي عمرو الشّيباني قال: حضرني أعرابي فقدّمت إليه طعاماً فأكل منه فقلت له: ازدد، فقال: يا أبا عمرو ما طعامك بطعام تؤبةٍ. وقال أبو يزيد لأعرابية بالعيون: مالك لا تصيرين إلى الرّفقة؟ فقالت: أخزى أن أمشي في الرّفاق أي أستحي، والخزاية: الحياء. والعاب: العيب؛ قال أبو زيد سمعت أعرابياً يقول: إن الرّجز لعابٌ أي عيبٌ، والرّجز: أن يرعد عجز البعير إذا أراد النّهوض، وأنشد:
تجد القيام كأنّما هو نجدةٌ ... حتى تقوم تكلّف الرّجزاء
والذّكر أرجز. والسّلاب: خرقة سوداء تتقنّع بها المرأة في المأتم.
قال وقرأت على أبي محمد عبد اللّه بن جعفر قال أنشدنا أبو العباس محمد بن يزيد قال وأنشدني أبو بكر بن الأنباري قال: قرئ على أبي العباس أحمد بن يحيى:
رمتني وستر اللّه بيني وبينها ... عشيةّ أحجار الكناس رميم
فلو كنت أسطيع الرّماء رميتها ... ولكنّ عهدي بالنّضال قديم
رميم التي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم ألاّ يزال يهيم
قال أنشدني محمد بن السّريّ: