فمن مبلغٌ أبناء سعدٍ فقد سعى ... إلى السورة العليا لهم حازمٌ جلد
رأى مجد أقوام أضيع فحثّهم ... على مجدهم لما رأى أنه الجهد
وروى الأصمعي: لما راى أنه المجد. ويروى: لما رأى أنه الجدّ، فمن روى أنه الجهد اراد به أنه الجهد منه، لأن تضييعهم أحسابهم قد جهده؛ ومن روى أنه الجدّ أراد أنه الجد من هؤلاء المضيعين في تضييعهم أحسابهم.
وتعذلني أفناء سعدٍ عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد
وأنشدنا أبو بكر بن أنباري قال أنشدني أبي:
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه ... ولم ينه قلباً غاوياً حيث يمّما
فلابد أن تلفى له الدهر سبّةٌ ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
وقرأت على أبي بكر بن دريد لأشجع:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرقٌ ... ولا مغربٌ إلا له فيه مادح
ما كنت أدري ما فواضل كفّه ... على الناس حتى غيّبته الصفائح
فأصبح في لحدٍ من الأرض ميتاً ... وكانت له حياً تضيق الصحاصح
وأنا من رزء وإن جلّ جازعٌ ... ولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حيٌّ سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح
وأنشدنا أبو بكر قال أنشدنا ابو حاتم:
ألا في سبيل الله ما تضمّنت ... بطون الثرى واستودع البلد القفر
بدورٌ إذا الدنيا دجت أشرقت بهم ... وإن أجدبت يوماً فأيديهم القطر
فيا شامتاً بالموت لا تشمتن بهم ... حياتهم فخرٌ وموتهم ذكر
حياتهم كانت لأعدائهم عمىً ... وموتهم للفاخرين بهم فخر
أقاموا بظهر الأرض فاخضرّ عودها ... وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظهر
وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال حدّثنا عبد الرحمن عن عمه قال سمعت عمي يقول سمعت أعرابياً ينشد:
كلاب الناس إن فكرت فيهم ... أضرّ عليك من كلب الكلاب
لأن الكلب لا يؤذي صديقاً ... وإن صديق هذا في عذاب
ويأتي حين يأتي في ثياب ... وقد حزمت على رجل مصاب
فأخزى الله أثواباً عليه ... وأخزى الله ما تحت الثياب
وحدثنا أبو بكر قال أخبرنا عبد الرحمن عن عمه قال: خرج أعرابي إلى الشام، فكتب إلى بني عمه كتباً فلم يجيبوه عنها، فكتب إليهم:
ألا أبلغ معاتبتي وقولي ... بني عمي فقد حسن العتاب
وسل هل كان لي ذنب إليهم ... هم منه فاعتبهم غضاب
كتبت إليهم كتباً مراراً ... فلم يرجع إليّ لهم جواب
فلا أدري أغيّرهم تنائي ... وطول العهد مالٌ أصابوا
فمن يك لا يدوم له وفاء ... وفيه حين يغترب انقلاب
فعهدي دائم لهم وودي ... على حال إذا شهدوا وغابوا
" ما يجيء من الكلمات بالثاء المثلثة والذال المعجمة " قال أبو علي: قال الأصمعي يقال لتراب البئر: النبيثة والنبيذة. وقال: قربٌ حثحاثٌ وحذحاذٌ إذا كان سريعاً. ويقال: قثم له من ماله وقذم، وعذم له من ماله وغثم إذا دفع إليه دفعة فأكثر.
ويقال: قرأ فما تلعثم وما تلعذم. ويقال: جثا يجثو وجذا يجذو إذا قام على أطراف أصابعه، وأنشد للنعمان بن نضلة:
إذا شئت غنتني دهاقين قريةٍ ... وصنّاجةٌ تجذو على كل منسم
قال أبو علي: جعل للإنسان منسماً على الاتساع، وإنما المنسم للجمل كما قال الآخر:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملكٍ أظلافه لم تشقق
فجعل للإنسان ظلفاً، وإنما الظلّف للشاء والبقر. وقال غير الأصمعي يقال: جَثوة وجُثوة، وجَذوة وجُذوة وجِذوة. وقال أبو عمر الشيباني: يلوث ويلوذ سواء. وقال غيره يقال: خرجت غثيثة الجرح وغذيذته، وهي مدته وما فيه، وقد غثّ يغثُّ وغذّ يغذّ، وأنشدنا أبو بكر بن دريد رحمه الله:
فما كان ذنب بني عامر ... بأن سبّ منهم غلامٌ فسب
بأبيض ذي شطبٍ باترٍ ... يقطّ العظام ويبري العصب