وحدثنا أبو بكر رحمه اللّه قال حدّثني أبو حاتم عن العتبي قال: لما عقد البيعة معاوية رحمه اللّه لابنه يزيد قام الناس يخطبون، فقال معاوية لعمرو بن سعيد: قم يا أبا أمية، فقام فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن يزيد بن معاوية أملٌ تأملونه، وأجلٌ تأمنونه؛ إن استضفتم إلى حلمه وسعكم وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم؛ جذعٌ قارحٌ سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع ففاز سهمه؛ فخو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه. فقال معاوية: آوسعت يا أبا أمية فاجلس.
" ما قاله أعرابي يمدح بعض الملوك وقد دخل عليه " وحدّثنا أبو بكر قال رحمه اللّه حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: دخل أعرابي على بعض الملوك فقال: رأيتني فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، الذي لايخفى على الناظر؛ وأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوبٌ إلى العجز مقصّر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك؛ ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك .
وقرأنا عن أبي بكر بن دريد قول الشاعر:
لعلك والموعود حقٌّ وفاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بداء
فإن الذي ألقى إذا قال قائل ... من الناس هل أحسستها لعناء
أقول التي تبنى الشمات وإنهّا ... عليّ وإشمات العدو سواء
قال: هذا رجل وعد رجلاً قلوصاً فأخلفه، فقال له الموعود: إذا سئلت أقول التي تنى الشمات عنّي أي أقول: نعم قد أخذتها، أي أكذب، ثم قال: وكذبي وإشمات العدو سواء.
قال أبو علي: وأنشدنا أبو بكر رحمه اللّه قال أنشدنا أبو حاتم للطّرمّاح:
ولو أن غير الموت لاقى عدبّسا ... وجدّك لم يسطع له أبداً هضما
فتًى لو يصاغ الموت صيغ كمثله ... إذا الخيل جالت في تساجلها قدما
ولو أن موتاً كان سالم رهبةً ... من الناس إنسانا لكان له سلما
قال أبو علي: هذا مثل قول عنترة:
إن المنية لو تمثّل مثّلت ... مثلى إذا نزلوا بضنك المنزل
" مرثية ربيعة الأسدي لأبنه ذؤاب " قال أبو علي: وأملى علينا رحمه اللّه قال أخبرنا أبو حاتم أن أبا عبيدة أنشدهم لربّيعة الأسدي يرثي ابنه ذؤابا:
أبلغ قبائل جعفرٍ مخصوصةً ... ما إن أحاول جعفر بن كلاب
أن المودّة والهوادة بيننا ... خلقٌ كسحق الرّيطة المنجاب
قال يروي:
أن البقيّة والهوادة بيننا ... سملٌ كسحق الرّيطة المنجاب
إّلا بجيش لا يكتّ عديده ... سود الجلود من الحديد غضاب
قال أبو علي: قوله لا يكتّ عديده: ولا يحصى. قال أبو علي وقال لي أبو بكر: من كلام العرب لاتكتّه أو تتكتّ النجوم أي لا تعده.
ولقد علمت على التّجلد والأسى ... أن الرّزيّة كان يوم ذؤاب
أذؤاب إني لم أهبك ولم أقم ... للبيع عند تحضّر الأجلاب
إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأحبّهم فقداً إلى أعدائهم ... وأشدهم فقداً على الأصحاب
ويروى:
بأشدهم أوقاً على أعدائهم ... وأجلهم رزءاً على الأصحاب
وعمادهم في كل يوم مريهةٍ ... وثمال مل معصب قرضاب
قال أبو علي: القرضاب والقرضوب: الفقير، والقرضاب في غير هذا الموضع: اللّص.
أهوى له تحت العجاج بطعنةٍ ... والخيل تردي فيا الغبار الكابي
الكابي:المنتفخ. يقال: فلان كابي الرماد إذا كان سخياً، ومن هذا قيل: كبا الفرس يكبو إذا ربا وانتفخ
أذؤاب صاب على صداك فجاده ... صوب الرّبيع بوابلٍ سكاب
ما أنس لا أنساه آخر عيشتنا ... ما لاح بالمعزاء ريع سراب
قال أبو علي: الرّيع: الرجوع، وريعان الشباب: أوله، والرّيع أيضاً: الزيادة، ومنه حدّيث عنر رضي اللّه عنه: املكوا العجين فإنه أحد الرّيعين " مرثية سلمة بن يزيد في أخيه لأمه قيس بن سلمة " وحدثنا أبو بكر بن الأنباري رحمه اللّه: أن أباه أنشده عن أحمد بن عبيد عن ابن الكلبي لسلمة بن يزيد يرثي أخاه لأمه قيس بن سلم: