وحدّثنا أبو بكر قال حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: كان بشر بن مروان شديداً على العصاة فكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على كرسيٍّ وسمر كفيه في الحائط بمسمار ونزع الكرسيّ من تحته فيضطرب معلقاً حتى يموت، وكان فتى من بني عجل مع المهلب وهو يحارب الأزارقة وكان عاشقاً لابنة عم له، فكتبت إليه تستزيره، فكتب إليها:
لولا مخافة بشرٍ أو عقوبته ... أو أن يشد على كفيّ مسمار
إذاً لعطّلت ثغري ثم زرتكم ... إن المحب إذا ما اشتاق زوّار
فكتبت إليه:
ليس المحبّ الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في إلفه النار
بل المحب الذي لا شيء يمنعه ... أو تستقر ومن يهوى به الدار
قال: فلما قرأ كتابها عطّل ثغره وانصرف إليها وهو يقول:
أستغفر الله إذ خفت الأمير ولم ... اخش الذي أنا منه غير منتصر
فشأن بشر بلحمي فليعذبه ... أو يعف عفو أمير خير مقتدر
ما أبالي إذا أمسيت راضيةً ... يا هند ما نيل من شعري ومن بشري
ثم قدم البصرة فما أقام إلا يومين حتى وشى به واشٍ إلى بشر، فقال: عليّ به، فأُتى به فقال: يا فاسق، عطّلت ثغرك! هلموا الكرسي، فقال: أعز الله الأمير، إن لي عذراً، فقال: وما عذرك؟ فأنشده الأبيات، فرّق له وكتب إلى المهلب فأثبته في أصحابه.
قال أبو علي: وأنشدنا أبو بكر رحمه الله قال أنشدنا أبو حاتم عن الأصمعي لتماضر بنت مسعود بن عقبة أخي ذي الرمة - وكان خرج بها زوجها إلى القفّين - :
نظرت ودوني القفّ ذو النخل هل أرى ... أجارع في آل الضحى من ذرى الأمل
فيالك من شوقٍ وجيع ونظرةٍ ... ثناها القفّ خبلاً من الخبل
ألا حبذا ما بين حزوى وشارعٍ ... وأنقاء سلمى من حزونٍ ومن سهل
لعمري لأصوات المكاكي بالضحى ... وصوت صباً في حائط الرمث بالدحل
وصوت شمالٍ زعزعت بعد هدأةٍ ... ألاءً وأسباطاً وأرطىً من الحبل
أحب إلينا من صياح دجاجةٍ ... وديكٍ وصوت الريح في سعف النخل
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلةًبجمهور حزوى حيث رببني أهلي قال أبو علي: قال الأصمعي: الأجارع جمع أجرع وجرعاء، وهي الرابية السهلة. والأمل جمع أميل، والأميل: الرمل المستطيل يكون ميلاً وأكثر من ذلك. والخبل: الفساد في البدن. والأنقاء جمع نقاً، وهي الرملة المستطيلة ليست بعظيمة. والمكاكي جمع مكّاء وهو طائر، قال الشاعر:
إذا غرّد المكّاء في غير روضةٍ ... فويلٌ لأهل الشاء والحمرات
قال أبو علي: قال الأصمعي: يقال للرمث أول ما يبدو ورقه قبل أن يخرج: قد أقمل، فإذا زاد جاوز ذلك قيل: قد أورس، فهو وارس ولا يقال مورسٌ. والألاء: شجر حسن المنظر مرّ المطعم قال بشر:
فإنكم ومدحكم بجيراً ... أبا لجإٍ كما امتدح الألاء
يراه الناس أخضر من بعيدٍ ... وتمنعه المرارة والاباء
والأسباط جمع سبط، وهو ضرب من الشجر أيضاً. والحبل: المستطيل من الرمل.
قال أبو علي: وقرأت عليه لابنه الحباب:
محاحبّ يحيى حبّ يعلى فأصبحت ... ليحيى توالي حينا وأوائله
الا بأبي يحيى ومثنى ردائه ... وحيث التقت من متن يحيى حمائله
وقالت فيه أيضاً:
أأضرب في يحيى وبيني وبينه ... تنائف لو تسري بها الريح كلت
ألا ليت يحيى يوم عيهم زارنا ... وإن نهلت مني السياط وعلت
قال أبو علي: وأنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد عرفة المعروف بنفطويه قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى:
أمن أجل دارٍ لوذان فالنقا ... غداة اللوى عيناك تبتدران
فقلت ألا لا بل قذيت وإنما ... قذى العين لي ما هيّج الطللان
فيا طلحتى لوذان لا زال فيكما ... لمن يبتغي ظليكما فننان
وإن كنتما هيّجتما لاعج الهوى ... ودانيتما ما ليس بالمتداني
وأنشدنا أيضاً:
ألا يا سيالات الدحائل باللوى ... عليكنّ من بين السيال سلام