إذا عبتها شبهتها البدر طالعاً ... وحسبك من عيب لها شبه البدر
وأنشدنا الناجم لنفسه في غير هذا المعنى:
طالبت من شرد نومي وذعر ... بقبلة تحسن في القلب الأثر
فقال لي مستعجلاً وما انتظر ... ليس لغير العين حظ في القمر
أخذه من علي بن الجهم حيث يقول:
وقلن لنا نحن الأهلة غنما ... نضئ لمن يسري بليل ولا نقرى
فلا نيل إلا ما تزود ناظر ... ولا وصل إلا بالخيال الذي يسرى
" ما قيل في القيان والعود " ومن أحسن ما قيل في قينة:
من كفّ جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرقت عنابا
وكأن يمناها إذا نطقت بها ... تلقى على يدها الشمال حسابا
وحدّثنا أبو عبد الله بن نفطويه قال حدّثنا أبو العباس أحمد بن يحيى قال: سمع بعض العرب صوت العود، فقيل له: ما تسمع؟ فقال: حسناً، ولكن اقطع هذا الأبحّ فإني أشؤه - يريد البمّ - . ومن أحسن ما قيل في العود:
فكأنه في حجرها ولد لها ... ضمته بين ترائب ولبان
طوراً تدغدغ بطنه فإذا هفا ... عركت له أذناً من الآذان
ومن أحسن ما شبه به العود ما أنشدناه بعض أصحابنا:
كأن تثماله ساق إلى قدم ... نيطت إلى فخذ بانت عن الكفل
آذانه منه قد جمعن أربعة ... تجيب أربعة في كف معتمل
فذا إن وهذا فيه زمزمة ... وذاك صاف وهذا فيه كالصّحل
وللحمدوني:
وناطق بلسان لا ضمير له ... كأنه فخذ نيطت إلى قدم
يبدي ضمير سواه في الحديث كما ... يبدي ضمير سواه الخط بالقلم
ومن احسن ما يقل في وصف مغنيات قول ابن الرومي، وأنشدناه الناجم عنه:
وقيان كأنها أمهات ... عاطفات على بنيها حواني
مطفلات وما حملن جنيناً ... مرضعات ولسن ذات لبان
ملقمات أطفالهنّ ثدياً ... ناهدات كأحسن الرمان
مفعمات كأنها حافلات ... وهي صفر من درة الألبان
كل طفل يدعى بأسماء شتى ... بين عود مزهر وكران
أمّه دهرها تترجم عنه ... وهو بادي الغنى عن الترجمان
" وصية بعض الحكماء لابنه " وحدّثنا أبو بكر دريد رحمه الله قال حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: قال بعض الحكماء لابنه: يا بني، اقبل وصيتي وعهدي، إن سرعة ائتلاف قلوب الأبرار، كسرعة اختلاط قطر الطر بماء الأنهار؛ وبعد قلوب الفجار من الائتلاف، كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها على أرى واحد؛ كن يا بني بصالح الوزراء أغنى منك بكثرة عدتهم، فإن اللؤلؤة خفيف محملها كثير ثمنها، والحجر فادح حمله قليل غناؤه.
" حكمة من حكم الأحنف بن قيس " وحدّثنا أبو بكر قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي زيد قال حدّثنا هشام بن حسان الفردوسي عن الحسن قال: قال الأحنف بن قيس: الكذوب لا حيلة له؛ والحسود لا راحة له؛ والبخيل لا مروءة له؛ والملول لا وفاء له؛ ولا يسود سيء الأخلاق؛ ومن المروءة إذا كان الرجل بخيلاً أن يكتم ويتجمل.
وحدّثنا أبو بكر قال حدّثنا أبو حاتم قال: قيل للأحنف: بم بلغت ما بلغت؟ قال: لو عاب الناس الماء ما شربته.
قال: وقال: من لم يسخ نفساً عن الحظ الجسيم للعيب الصغير، لم يعد سفيقاً على نفسه، ولاصائناً لعرضه. وقال الأصمعي: من أمثال العرب: " دع بنيات الطريق " أي اقصد لمعظم الشأن. ويقال: " لا توبس الثرى بيني وبينك " أي لا تقطع الودّ الذي بيننا. ويقال: " السعيد من اتعظ بغيره " يراد من رأى غيره فاتعظ سعد. ويقال: " طويته على بللته " يراد استبقيته قبل أن يبلغ فساده، وذلك أن السقاء إذا طويته وهو مبتل تثنى، وإذا طوي وهو يابس تكسر، أي فقد طلبت مصلحته.
" مطلب ما تقول العرب في معنى لا أفعل ذلك أبداً " وقال أبو زيد: يقال: لا تري ذلك يا فلان ما سمر ابنا سمير، وهما الليل والنهار؛ وأنشدنا ابن الأعرابي:
وشبابي قد كان من لذة العي ... ش فأودى وغاله ابنا سمير