وما مَدَدْتَ مَدَى طَرْفٍ إِلى أَحَدٍ ... إِلاَّ قَضَيْتَ بأَرْزاقٍ وآجالِ
تَزْوَرُّ سُخْطاً فتُمْسِى البِيضُ راضِيَةً ... وتَسْتَهِلُّ فتَبْكِى أَوْجُهُ المالِ
وقال فيها:
كأَنَّ خَيْلَكَ في أَثْناءِ غَمْرَتِها ... أَرْسالُ قَطْرٍ تَهَامى فَوْقَ أَرْسال
يَخْرُجْنَ من غَمَرَاتِ المَوْتِ سامِيةً ... نَشْرَ الأَنامِلِ من ذى القِرَّةِ الصالِى
أخذه من الأسعر الجعفي إذ ذكر الخيل فقال:
يَخْرُجْنَ من خَلَلِ الغُبَارِ عَوَابِساً ... كأَصابِعِ المَقْرُورِ أَقْعَى فاصْطَلى
أراد أنها تخرج متساويةً كأصابع المصطلي، لأنها تستوي إذا اصطلى فقبضها.
وقال في حميد:
والجُودُ في كَفِّ غَيْرِهِ خَشِنٌ ... وهْوَ بكَفَّيْهِ لَيِّنٌ سَرِبُ
أخذه من قول مسلم:
الجُودُ أَخْشَنُ مَسَّا يا بنى مَطَرٍ ... من أَنْ يَبُزَّكُمُوهُ كَفُّ مُسْتَلِبِ
وقال أيضاً:
جَلاَءُ مَشِيبٍ نَزَلْ ... وأُنْسُ شَبَابٍ رَحَلْ
طَوَى صاحبٌ صاحباً ... كَذاكَ اخْتِلاَفُ الدُّوَلْ
شَبَابٌ كأَنْ لم يَكُنْ ... وشَيْبٌ كأَنْ لم يَزَلْ
كأَنَّ حُسُورَ الصِّبَا ... عن الشَّيْبِ حِينَ اشْتَعَلْ
زُهَا أَمَلٍ مُونِقٍ ... أَطَلَّ عَلَيْه أَجَلْ
أخذه منه محمود الوراق فقال:
بَكَيْتُ لقُرْبِ الأَجَلْ ... وبُعْدِ فَوَاتِ الأَمَلْ
ووافِدِ شَيْبٍ طَرَا ... بعَقْبِ شَبَابٍ رَحَلْ
شَبَابٌ كأَنْ لم يَكُنْ ... وشَيْبٌ كأَنْ لم يَزَلْ
طَوَاكَ بَشِيرُ البَقا ... وحَلَّ نَذِيرُ الأَجَلْ
وقال عبد الحميد الكاتب في نحو هذا:
ترَحَّلَ ما لَيْسَ بالقافِلِ ... وأَعْقَبَ ما لَيْسَ بالآفِل
فلَهْفِى من الخَلَفِ النازِلِ ... ولَهْفى من السَّلَفِ الراحِلِ
أُبَكِّى على ذَا وأَبْكِى لِذَا ... بُكاءَ المُوَلَّهَةِ الثاكِلِ
تُبَكِّى على ابنٍ لها قاطِعٍ ... وتَبْكِى على ابنٍ لها واصِلِ
تَقَضَّتْ غَوَاياتُ سُكْرِ الصِّبَا ... ورَدَّ التُّقَى عُنُقَ الباطِلِ
ولا أحسب على بن جبلة أخذ هذا إلا من كتاب عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فإنه كتب إلي بعض عماله " أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل " .
ابن مناذر
هو محمد بن مناذر مولى لبني يربوع، ويكنى أبا ذريح، ويقال إنه يكنى أبا جعفر.
وكأن في أول مستوراً حتى علق عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، فانهتك ستره. ولما مات عبد المجيد خرج من البصرة إلى مكة، فلم يزل مجاوراً إلى أن مات.
وكان يجالس سفيان بن عيينة فيسأله سفيان عن غريب الحديث ومعانيه.
وفي صبوته على كبر السن يقول:
هَلْ عِنْدَكُمْ رُخْصَةٌ عَنِ الحَسَنِ الْ ... بَصْرِىِّ في الَّلهْوِ وابْنِ سِيرِينا
إِنَّ سَفَاهاً بذى الجَلالَةِ وال ... شَّيْبَةِ أَلاَّ يَزَالُ مَفْتُونا
لَبِسْتُ طَوْقَ الصِّبَا ويَارَقَهُ ... وقَدْ مَضَتْ من سِنِىَّ سِتُّونا
وفيها يقول للرشيد:
لَمَّا رَأَيْنَا هَارُونَ صار لنا ال ... لَّيْلُ نهاراً بضْوءِ هارُونا
فلَوْ سَأَلْنا لِحُسْنِ وَجْهِكَ يا ... هارُونُ صَوْبَ الغَمَامِ أُسْقِينا
وهو القائل في خالد بن طليق وكان ولي قضاء البصرة:
قُلْ ِلأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ الَّذى ... من هاشِمٍ في سِرِّهَا واللُّبَابْ
إِنْ كُنْتَ للسَّخْطَةِ عاقبْتَنَا ... بخالِدٍ فَهْوَ أَشَدُّ العِقابْ
كان قُضَاةُ الناسِ فيما مَضَى ... من رَحْمَةِ اللهِ، وهذا عَذابْ
يا عَجَباً من خالِدٍ كَيْفَ لا ... يُخْطِىءُ فِينا مَرَّةً بالصَّوَابْ
وله أيضاً:
جُعِلَ الحاكِمُ يا لَل ... نَّاسِ من آلِ طَلِيقِ