بَكَتْ غَيْرَ آنِسَةٍ بالبُكاءِ ... تَرَى الدَّمْعَ في مُقْلَتَيْهَا غَريبا
وأَسْعَدَهَا نِسْوَةٌ بالبُكاءِ ... جَعَلْنَ مَغِيضَ الدُّمُوعِ الجُيُوبا
وفيها يقول:
أَيا مَنْ تَعَلَّقْتُهُ ناشِئاً ... فشِبْتُ ولم يأْنِ لى أَنْ أَشِيبَا
ويا مَنْ دَعَانى إِلى حُبِّهِ ... فلَبَّيْتُ لَمَّا دَعَانى مُجِيبا
وكَمْ باسِطِينَ إِلى وَصْلنا ... أَكُفَّهُمُ لم يَنالُوا نَصِيبا
لَعَمْرِى لقد كَذَبَ الزاعِمُو ... نَ أَنَّ القُلُوبَ تُجَازى القُلُوبا
ولَوْ كان ذاك كما يَذْكُرُو ... ن ما كان يَشْكُو مُحِبٌّ حَبِيبا
وفيها يقول:
وأَنْتِ إِذا ما وَطِئْتِ التُّرا ... بَ صار تُرابُكِ للناس طِيبا
وقوله:
أَيا مَنْ سُرُورِى به شِقْوَةٌ ... ومَنْ صَفْوُ عَيْشِى به أَكْدَرُ
تَجَنَّيْتَ تَطْلُبُ لَمَّا مَلِلْتَ ... عَلىَّ الذُّنُوبَ ولا تَقْدِرُ
فلَوْ لم يَكُنْ بِىَ بُقْيَا عَلَيْك ... نَظَرْتُ لنَفْسِى كما تَنْظُرُ
وماذا يَضُرُّك من شُهْرتِى ... إِذا كان أَمْرُك لا يَظْهَرُ
أَمِنِّى تَخافُ انْتِشار الحَدِيث ... وحَظِّىَ في صَوْنِهِ أَوْفَرُ
وقال فيها:
هَبُونى أَغُضُّ إِذا ما بَدَتْ ... وأَمْلِكُ طَرْفِى فلا أَنْظُرُ
فكَيْفَ استِتارى إِذا ما الدُّمُوعُ ... نَطَقْنَ فبُحْنَ بما أُضْمِرُ
ومن بديع تشبيهه قوله في المرأة إذا مشت:
كأَنَّها حِينَ تَمْشِى في وَصائِفها ... تَخْطُو على البَيْضِ أَو خُضْر القَوَارِير
وقوله:
قَلْبِى إِلى ما ضَرَّنى داعى ... يُكْثِرُ أَسْقَامِى وأَوْجاعى
كَيْفَ احْتِراسِى من عَدُوِّى إِذا ... كان عَدُوِّى بَيْنَ أَضْلاعى
يعني قلبه.
ومن إفراطه قوله:
ومَحْجُوبَةٍ بالسِّتْرِ عن كُلِّ ناظرِ ... ولو بَرَزَتْ باللَّيْلِ ما ضَلَّ مَنْ يَسْرى
أخذه من قول الأول:
وُجُوهٌ لَوَ انَّ المُعْتَفِينَ اعْتَشَوْا بهاصَدَعْنَ الدُّجَى حَتَّى تَرَى اللِّيْلَ يَنْجَلِى
وقول الآخر:
أَضاءَتْ لهم أَحْسابُهم ووُجُوهُهم ... دُجَى اللَّيْل حَتَّى نَظَّمَ الجَزْعَ ثاقبُه
ثم قال العباس:
لَخالٌ بذاكِ الوَجْهِ أَحْسَنُ عِنْدَنامنَ النُّكْتَةِ السَّوْداءِ في وَضَحِ البَدْرِ
وهو القائل:
رَدُّ الجِبالِ الرَّوَاسِى من مَوَاضِعِها ... أَخَفُّ من رَدِّ نَفْسٍ حِينَ تَنْصَرِفُ
هَمُّوا بهَجْرِى وكانَتْ في نُفُوسهِمُ ... بَقِيَّةٌ من هَوًى باقٍ فقد وَقَفُوا
وكان الرشيد هجر جاريةً له، ونفسه بها متعلقة،وكان يتوقع أن تبدأه بالترضى، فلم تفعل الجارية ذلك، حتى أقلقته وأرقته، وبلغ ذلك العباس فقال:
صَدَّتْ مغاضِبَةً وصَدَّ مُغَاضٍباً ... وكِلاَهما ممّا يُعَالِجُ مُتْعَبُ
إِنَّ التَّجَنُّبَ إِنْ تَطاوَل مِنْكُما ... دَبَّ السُّلُوُّ له فعَزَّ المَطْلَبُ
وبعث إليه بالبيتين، وبعث إليه ببيتين آخرين،وهما
لا بُدَّ للعاشِقِ من وَقْفَةٍ ... تَكُونُ بَيْنَ الوَصْلِ والصُّرْمِ
حَتَّى إِذا الهَجْرُ تَمَادَى به ... راجَعَ مَنْ يَهْوَى على رُغْمِ
فاستحسن الرشيد إصابته حاليها، وقال أراجعها - والله - مبتدئاً على رغمٍ، وفعل ذلك، وأمر للعباس بصلة سنية، وأمرت له الجارية بمثلها.
صريع الغواني
هو مسلم بن الوليد، من أبناء الأنصار. وكان مداحاً محسناً، وجل مدائحه في يزيد بن مزيد، وداود بن يزيد المهلبي، والبرامكة، ومحمد بن منصور بن زياد كاتبهم.
وولى في خلافة المأمون بريد جرجان، فلم يزل بها حتى مات. وله عقبٌ.
وكان يلقب " صريع الغواني " لقوله في قصيدةٍ له: