أَلِمَّا على دارٍ واسِعَةِ الحَبْلِ ... سَوَاءٌ عليها صالِحُ القَوْمِ والرَّذْلِ
ولَوْ شَهِدَتْ حُجَّاجَ مَكَّةَ كُلَّهُمْ ... لَراحُوا وكُلُّ القَوْمِ منها عَلى وَصْلِ
ويستحسن له قوله:
اسْمِى لوَجْهكِ يا مُنَى صَفَةٌ ... فكَفَى بوَجْهِكِ مُخْبِراً باَسْمِى
ثم قال:
لا تَفْجَعِى أُمِّى بواحِدِها ... لَنْ تُخْلِفِى مِثْلِى على أُمِّى
قال أبو محمد ولا أرى هذا حسناً.
ومثله قوله:
إِنَّ اسْمَ حُسْنٍ لوَجْهِها صِفَةٌ ... ولا أَرَى ذا لَغَيْرِها اجتْمَعَا
فَهْىَ إِذا سُمَيَتْ فقدْ وصِفَتْ ... فيَجْمَعُ اللَّفْظُ مَعْنَيَيْنِ مَعَا
ومما عمى من الأسماء قوله:
إِذا ابْتَهَلْتُ سَأَلْتُ اللهَ رَحْمَتَهُ ... كَنَّيْتُ عَنْك وما يَعْدُوك إِضْمارِى
يريد أنه سأل الله رحمته، والناس يظنون أنها رحمة الله. وإنما يسأله إنساناً يسمى " رحمته " .
وله أو لغيره:
يَمْنَعُنى أَنْ أُكَلِّمَ الرِّيمَا ... ميمين أَلْغَيْت منهما مِيمَا
ومن حسن معانيه قوله:
يا قَمَراً للنِّصْفِ من شَهْرهْ ... أَبْدَى ضِيَاءً لثَمانٍ بَقِينْ
يريد أنه أعرض عنه بوجهه فرأى نصفه. وقد ذكرت هذا في خبر النمر ابن تولبٍ في بيت يشبهه.
وقد كان يلحن في أشياء من شعره، لا أراه فيها إلا على حجةٍ من الشعر المتقدم، وعلى علةٍ بينةٍ من علل النحو.
منها قوله:
فلَيْتَ ما أَنْتَ واطٍ ... من الثَّرَى لِىَ رَمْساً
أما تركه الهمز في " واطيء " فحجته فيه أن أكثر العرب تترك الهمز، وأن قريشاً تتركه وتبدل منه. وأما نصبه " رمساً " فعلى التمييز، والبغداديون يسمونه " التفسير " ألا تراه قال " فليت ما أنت واطٍ من الثرى لي " ! فتم الكلام، وصار جواب " ليث " في " لي " ثم بين من أي وجهٍ يكون ذلك، فقال " رمساً " أي قبراً، كما تقول في الكلام ليت ثوبك هذا لي، ثم تقول إزراراً لأن جواب " ليت " صار في قولك " لي " وصار الإزار تمييزاً.
ومنها قوله:
وَصِيفُ كَاسٍ مُحَدَّثَهْ مَلِكٍ ... تِيهُ مُغَنِّ وظَرْفُ زِنْدِيقِ
فجزم " محدثة " لما تتابعت الحركات وكثرت، كما قال الآخر:
إِذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صاحِبْ قَوِّمِ
وكما قال امرؤ القيس:
فاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إِثْماً منَ اللهِ ولا واغِلِ
ومنها قوله في الخمر:
شَمُولٌ تَخَطَّتْها المَنُونُ فقد أَتَتْ ... سِنُونٌ لها في دَنِّهَا وسِنُونُ
تُراثُ أُنَاسٍ عن أُناسٍ تُخُرِّمُوا ... تَوَارَثَها بَعْدَ البنين بَنُونُ
فرفع نون الجماعة، وهذا يجوز في المعتل، وقد أتى مثله، كأنه لما ذهب منه حرفٌ صار كأنه كلمة واحدة، وصارت " سنون " كأنها " منون " والمنون الدهر، و " بنون " كذلك.
ويتمثل من شعره بقوله:
تَرَى المُعَافَى يَعْذُلُ المُبْتَلى ... ولا يَلُومُ المُبْتَلى المُبْتَلى
يستحسن له من التشبيه قوله في البط:
كَأَنَّما يَصْفِرْنَ من مَلاعِقْ ... صَرْصَرَةَ الأَقْلاَمِ في المَهَارِقْ
وقوله في المنسر:
ومَنْسِرٌ أَكْلَفُ فيه شَغاً ... كَأَنَّهُ عَقْدُ ثَمانِينا
وقوله في هذا الشعر أيضاً:
أَلْبَسَهُ التَّكْرِيزُ من حَوْكِهِ ... وَشْياً على الجُؤْجُؤِ مَوْضُونا
له حِرَابٌ فَوْقَ قُفَّازِهِ ... يَجْمَعْنَ تَأْنِيفاً وتَسْنِينا
كُلُّ سِنانٍ عِيجَ عن مَتْنِهِ ... تَخالُ مَحْنَى عَطْفِهِ نُونا
وقوله:
في هَامَةٍ عَلْيَاءَ تَهْدِى مِنْسَراَ ... كعَطْفِكَ الجيمَ بَكَفِّ أَعْسَرَا
يَقُولُ مَنْ فيها بِعَقْلٍ فَكَّرا ... لَوْ زَادَها عَيْناً إِلى فاءٍ ورَا
فاتَّصَلَتْ بالجِيمِ كانَتْ جَعْفَرَا
وقوله في النرجس:
لَدَى نَرْجِسٍ غَضَّ القِطَافِ كَأَنَّهُ ... إِذا ما مَنَحْنَاهُ العُيُونَ عُيُونُ
وقوله في الشباب: