كاتب: صمتت مخاصمة نفسي لك بلسان عذرك، فأنا وكيلك على ما أصلح من قلبي لك، وأمينك على القيام على نفسي بحجتك.
سعيد بن حميد: أنا - جعلت فداءك - أعتذر إليك بالشغل، وأعذرك به، وأرى أن من سلمت نيته، وصحت علانيته ومودته، لم يقدح في الثقة به، ولم يكن في تأخير كتبه ورسله ما يزيل إخاءه عن عهد، والله يديم نعمه لك، ويقدمني قبلك.
حمد بن مهران: وأما فلان فهو والله النفيس وداً، والوفي عهداً، والبعيد من الأذى، الصافي من القذى، المتوطئ سراً وإعلاناً في إعظامك، وشكر إنعامك، والابتهاج بأيامك، وأكره حثك على زيادته فيكون قدحاً في رعايتك الذمام لأهله، وسوء ظن بما توجبه لمثله، وكتابك إذا ورد آنس وسر، إلى أن نستغني بالنظر عن الخبر، وعن التكاتب بالتزاور.
كاتب: تفضلك يا أخي - أدام الله عزك - في وقت يتظاهر علي، وبرك يتوالى ويتضاعف لدي، وإن كان شكري دون ما ستتحقه، فقد جل ما أوليتنيه عن الشكر، وأنت الذي بلغتني ما أردته، وأوطأتني خد الزمان على قسر، وما زلت - يعلم الله - قبل المشاهدة، أعد نفسي منك بجميل المساعدة، وعظيم المعاضدة، ثم وقع الالتقاء فصدق مخايل الفراسة، وبين آثار النفاسة، وقد - والله - استخلصتني أخاً صادق الإخاء، خالصاً من الأقذاء، يتصل شكره واعتداده، وتدوم محبته ووداده، فإن كان سيدنا عظيم الرعاية، كثير الإيجاب والعناية، فالمنة فيما ألفيته عليه من ذلك لك، لأنك جددت ما درس ذكره، وأحييت ما تقادم عهده، ووكدت اليد عند من تنمى عنده، وأنا أسأل الله أن يعلي يدك بالمكارم والفضائل، ويبسطها بالعرف والنائل، ولا يخليك من جميل أقسامه، وجزيل مواهبه وإنعامه، ومهما شككت في شيء أو ارتبت به فما يتخالجني شك ولا ارتياب في أنه لا مزيد في نيتك، ولا عناية فوق عنايتك، وإلى هذا اليقين قد سكنت نفسي، وبقوة الأمل فيك قويت منتي، وبحمايتك إياي استدركني، وبإزالتك ما أحذر زالت الفكرة عني، فلا أعدمنيك الله، وبلغك أمانيك، وبلغني غابة المحاب فيك.
شاعر:
أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم ... إذا غبتم عنها ونحن حضور
كاتب: أنا أخوك المشارك لك في نعمتك الذي - يعلم الله - إنك تضعه بحيث يريد لنفسه من قلبك ونظرك، وأنت الذي لا أستزيد ولا أحتاج إلى كده لاكتفائي بعفوه وحسن ظني به لمن ليس مثلي من أهله.
كاتب: قد فتحت علي باب المعتبة، وأحوجتني إلى أن أغلقه عني بالمعذرة والحجة، وكلفتني من ذلك ما لم يكن لي خلقاً ولا عادة، ورأيتك عجلت فقبلت صيغة لسان كاذب، واستعملت مقالة بائر فاجر، فاستمع وأنصف، ولا يذهبن بك هوى مسرف، ولا يغلبن عليك شيء سبق إلى أذن أو قلب، فليس لك أن تغفل ولا تتغافل، ولا تجعل توهماً كحق، ولا يقيناً كشك.
كاتب: أنا من الشوق إليك على ما يستوي في العجز عن وصفه الخطيب المصقع، والعي المفحم، وحق لمن فقدك ألا يقنع، بغيرك، ولا يسكن قلبه دونك، لأن الله جعلك صفواً لا كدر فيه، ووفاء لا غدر معه، فأما ما ذكرت مما توجبه لي وتتحراه في، فتفضلك الذي سبق استيجابي، وبرك الذي تقدم استحقاقي، وحقيق من جمع الله له خصال الفضل ما جمع لك برب معروف أسداه، وإتمام جميل ابتداه.
كاتب: لو اعتصم شوقي بمثل سلوك عن صلتي، لم أبتذل لك وجه الرغبة فيك، ولا تحسيت مرارة تماديك، ولكن استخفتني صبابة إليكن فاحتملت صعب قسوتك، لعظيم قدر مودتك، وأنت أحق من انتصر لصلتي من جفائه، ولشوقي من إبطائه.
إبراهيم بن المدبر: ذكرت - جعلني الله فداءك - خوفك إملالي، والزيادة في إشغالي بكثرة كتبك، فأقول أخي قدمت قلبك، لم أرزق فيما قلته عدلك، هل يمل الروح جسده، والجسد جوارحه، والجوارح سلامتها، والسلامة دوامها؟ ظلمتني عفا الله عنك، فأما الشغل فيك ولك، فإنه غير منقطع بذكرك والفكر فيك، والشوق والنزاع إليك، والخوض والإفاضة في محاسنك، والله ولي جمعنا سريعاً بما هو أهله، وقد كان والله قلبي شديد التطلع إلى ورود خبرك، وعلم وصول كتابي إليك لما كان يتصور لي من ابتهاجك به وأنسك بقراءته، قياساً غير فاسد على موقع كتابك مني، وجلالته في نفسي، واغتباطي به، وسكوني إليه، وسروري به، فالحمد لله الذي تفضل من ذلك بما هو أهله ووليه.