قال أرسطو طاليس في رسالة أفدناها أبو سليمان: تعهد الإخوان بإحياء الملاطفة، فإن التارك متروك، ثم تعهد إخوان الإخوان، فإن إخوان الإخون من الإخوان، وهم بمنزلة العلم المستدل به على الوفاء، ثم تعهد أهل المكاشرة المتشبهين بالإخوان بالصبر عليهم، إما طمعاً في تحويل ذلك منهم صدقاً، وإما اتقاء كلمة فاجر وقعت في سمع مائق ذي دولة.
وذكر أعرابي مودة رجل فقال: مودة رثة العقال، وسماء قليلة البلال، وأرض دائمة الإمحال، هو اليد الحذاء، والأزمة الحصداء، أبعد مقاله قريب، وأقرب فعاله بعيد، يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول.
شاعر:
أتناسيت أم نسيت إخائي ... والتناسي شر من النسيان
عبد الصمد بن المعذل:
هي النفس تجزي الود بالود مثله ... وإن سمتها الهجران فالهجر دينها
إذا ما قرين بت منها حباله ... فأهون مفقود عليها قرينها
لبئس معار الود من لا يوده ... ومستودع الأسرار من لا يصونها
لما تباعد بين يحيى بن خالد وعلي بن عيسى بن ماهان وجه علي أبا نوح ليتعرف ما في نفسي يحيى، فكتب يحيى على يد أبي نوح:
بسم الله الرحمن الرحيم
عافانا الله وإياك، كن على يقين أني بك ضنين، وعلى التمسك بما بيني وبينك حريص، أريدك ما أردتني، وأريدك أن تنوب عني ما كان ذلك بي وبك جميلاً، فإن جاءت المقادير بخلاف ما أحب من ذلك لم أعد ما يحمد، ولم أتجاوز إلى شيء مما يكره، هاجني على الكتاب إليك مسألة أبي نوح غياي، وإعلامك رأيي وهواي، فما تبدلت، ولا حلت، فجمعنا الله وإياك على طاعته وأنشد:
لكل أديب ترى هيئة ... وهذي تدل على همته
ولم أر مثل فتى ماجد ... يداري الأمور على فطنته
يجازي الصديق بإحسانه ... ويزجي العدو إلى غفلته
ويلبس للدهر تبانه ... ويخضع للقرد في دولته
بلوت الرجال وجربتهم ... فكل يدور على لذته
قال سفيان بن عيينة: صحبت الناس خمسين سنة ما ستر لي أحد عورة، ولا رد عني عيبة، ولا عفا لي عن مظلمة، ولا قطعته فوصلني، وأخص إخواني لو خالفته في رمانة فقلت: هي حامضة، وقال: هي حلوة لسعى بي حتى يشيط دمي.
وقال أعربي في صاحب له: افصح خلق الله كلاماً إذا حدث، وأحسنهم استماعاً إذا حدث، وأكفهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النافلة، ولا يسأله الفريضة، له نفس عن العوراء محصورة، وعلى المعالي مقصورة، كالذهب الإبريز الذي يعز كل أوان، والشمس التي لا تخفى بكل مكان، هو النجم المضيء للجيران، والبارد العذب للعطشان.
كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي يدعوه إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان: إن بعدت الدار من الدار فإن الروح مع الروح قريب، وطائر السماء على إلفه من الأرض يقع.
قال معبد بن مسلم:
جزى الله الموالي عن أخيهم ... وكل صحابة لهم جزاء
بما فعلوه إن خيراً فخيراً ... وغن شراً كما امتثل الحذاء
فما أنصفتم والنصف يرضى ... به الإسلام والرحم البواء
لزدتهم النصحية من لدني ... فمجوا النصح ثم ثنوا فقاؤا
وقلت: فدى لكم عمي وخالي ... فما قبل التودد والفداء
فكيف بهم وإن أحسنت قالوا ... أسأت، وإن غفرت لهم أساؤا
قال بنا المرزباني: حدثنا القراطيسي قال: أنشدنا أبو العيناء قال: أنشدنا السدري:
وإني لأهوى ثم لا أتبع الهوى ... وأكرم خلاني وفي صدود
وفي الناس عن بعض التضرع غلظة ... وفي العين عن بعض البكاء جمود
قال أبو العيناء: قلت لأعرابي: كيف أنت؟ قال: كما يسرك إن كنت صديقاً، وكما يسوءك إن كنت عدواً.
وكتب ابن ثوابة إلى صديق له: ما انفككت عن ودك، ولا انفركت عن عهدك.
شاعر:
إذا كثر التجني من خليل ... بلا ذنب فقد مل الخليل