وإن أعف عنه أغض عيناً على قذى ... وليس له بالصفح عن ذنبه علم
فما زلت في لين له وتعطف ... عليه كما تحنو على الولد الأم
لأستل ذاك الضغن حتى استللته ... وقد كان ذا ضغن يضيق له الحزم
فداويت منه الحقد والمرء قادر ... على سهمه ما دام في كفه السهم
وقلت لابن برد الأبهري، وكان من غلمان ابن طاهر: من الصديق؟ قال: من سلم سره لك، وزين ظاهره بك، وبذل ذات يده عند حاحتك، وعف عن ذات يدك عند حاجته، يراك منصفاً وإن كنت جائراً، ومفضلاً وإن كنت ممانعاً، رضاه منوط برضاك، وهواه محوط بهواك، إن ضللت هداك، وإن ظمئت أرواك، وإن عجزت آداك، يبين عنك بالجسم والرسم، ويشاركك في القسم والوسم. قلت: أما الوصف فحسن، وأما الموصوف فعزيز، قال: إنما عز هذا في زمانك حين خبثت الأعراق، وفسدت الأخلاق، واستعمل النفاق في الوفاق، وخيف الهلاك في الفراق، والله لقد شاهدت لشيخنا ابن طاهر أصدقاء ينطوون له على مودة أذكى من الورد والعنبر، إذا لحظهم بطرفه تهللوا، وإذا ناقلهم بلفظه تدللوا، وإذا تحكم عليهم تعجلوا، وإذا أمسك عنهم نولوا وخولوا، وكان يجدون به ما لا يجدون بأهليهم وأولادهم، رحمة الله عليهم، فلقد كانوا زينة الأرض، في كل حال من الشدة والخفض، وإني لآذكرهم فأجد في روحي عبقاً من حديثهم، قلت: كيف كان انبساطهم في الاجتماع؟ قال: ما كانوا يتجاوزون الليلة الحلوة، والمزح الخفيف، واللفظ اللطيف، والرمز الرشيق، والتبسم المقبول، وإذا افترقوا فإنما هم في اهتمام يعود بنظام عيشهم، وتدوم لهم مسرة حياتهم، الكلمة واحدة، والطريقة واحدة، والإرادة واحدة، والعادة واحدة، والوحدة إذا ملكت الكثرة نفت الخلاف، وأروثت الائتلاف، ثم تكلم في الوحدة والواحد والأحد بكلام في غاية الرقة، مع الإيضاح، ولولا أن هذا الموضع يجفو عنه لرسمته فيه، ولكن قد قيل لكل مقام مقال، ولكل فعل أوان، وفي حفظ الحدود استمرار الموجود، على ما هو به موجود.
وأنشد لعبد الله بن طاهر:
وما المرء إلا اثنان هذا موكل ... بما يعجب الإخوان إن قال أو فعل
فينزل محموداً إذا حل منزلاً ... ويرحل مفقوداً إذا قيل قد رحل
فأما الذي لا خير فيه فإنه ... وإن أطعم السلوى وألعق من عسل
يذيب عن لحم العدو مخافة ... ويأكل من لحم الصديق إذا آكل
وما قلبه إلا وعاء معطل ... من الود محشو من الغل والدغل
ومن قل منه الود للناس لم ينل ... من الناس إلا مثل ذلك أو أقل
قيل لأبي السائب: ما آفة الملال؟ قال: كثرة الإدلال.
وقيل لابن أبي عتيق: ما يدعو المحب إلى الهجر؟ قال: إدمان المحبوب للغدر.
لما انتقل ابن المنجم عن جيرة عبيد الله بن طاهر إلى دار إسحاق بن إبراهيم الموصلي كتب عبيد الله إليه أبياتاً:
ما من تحول عنا وهو يألفنا ... أبعدت عنا ولأياً صرت تلقانا
فاعلم بأنك مذ فارقت جيرتنا ... بدلت جاراً وما بدلت جيرانا
فكتب إليه ابن المنجم:
بعدت عنكم بداري ودون خالصتي ... ومحض ودي وعهدي كالذي كانا
وما تبدلت مذ فارقت قربكم ... إلا هموماً أعانيها وأحزانا
وهل يسر بسكنى داره أحد ... وليس أحبابه للدار جيرانا
آخر:
كن بالتحفظ من ك ... ل من عرفت حقيقا
فقد يصير عدواً ... من كان يوماً صديقا
آخر:
يخرج أسرار الفتى جليسة ... رب امرئ جاسوسه أنيسه
وقال الحارني: الجليس الصالح، كالسراج اللائح، والجليس الطالح، للمرء فاضح، مجالسة الأشكال تدعو إلى الوصال، ومجالسة الضداد تذيب الأكباد.
وقال النبي صلى الله عليه وآله: مثل الجليس الصالح كمثل الداري إن لا يجدك من عطره، يعلقك من ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل القين إن لا يحرقك بشرره، يؤذك بدخانه.
شاعر:
خليلي للبغضاء حال مبينة ... وللحب آيات ترى ومعارف
آخر:
إذا كنت تغضب من غير جرم ... وتعتب من غير عتب عليا
عددتك ممن حوته القبور ... وإن كنت ألقاك في الناس حيا