فما ظنك بمن يجري ذوي المروءة مجرى سائر من يرى باطنه يخالف ظاهره، وتأويله ينافي تنزيله، وهذا هزل يترجم عن جد، والضد يبرز حسنه الضد، أودعتني، إذا ودعتني:
شوقاً إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى عليك تضيق عنه الأضلع
فكم أتلهف على ما أنفدناه في حال الاجتماع من عيش رخي، ويوم فتي، وسرور امتدت ظلاله، وليل غاب عذاله، فارغب إلى الله في إعادة تلك العهود، إنه فعال لما يريد.
شاعر:
يا ذا الذي ألف القطيعة دهره ... إن القطيعة موضع الريب
إن كان ودك كامناً في نية ... فاطلب صديقاً عالماً بالغيب
سمعت أبا سعيد السيرافي الإمام يقول: العرب تقول: أوصل الناس أوضعهم للصرم في موضعه.
شاعر:
وما كل من يظنني أنا معتب ... ولا كل ما يروى علي أقول
آخر:
رب ابن عم ليس بابن عم ... داني الأذاة ضيق المجم
وإن أتى يوم شديد الغم ... لم يك قرن المقطع المهم
وقال بشار:
أراك اليوم لي وغداً لغيري ... وبعد غد لأقربنا إليكا
إذا آخيت ذا فارقت هذا ... كأن فراقه حتم عليكا
فأقدمهم أخسهم جميعاً ... وأحدثهم أحثهم لديكا
وكلهم وإن طرمذت فيه ... ستتركه وشيكاً من يديكا
أبو الأسود الدؤلي:
وما ساس أمر الناس إلا مجرب ... حليم ولا صافيت مثل كريم
فما لحليم واعظ مثل نفسه ... ولا لسفيه واعظ كحليم
آخر:
وأعرض عن ذي المال حتى يقال لي ... قد أحدث هذا جفوة وتعظما
وما بي جفاء عن صديق ولا أخ ... ولكنه فعلي إذا كنت معدما
آخر:
وإن أمانتي لا يحتويها ... خليل في زيال واجتماع
سأرعاها وإن هو غاب عنها ... لكل أمانة بالغيب راع
آخر:
وذي حسد يغتابني حين لا يرى ... مكاني ويثني صالحاً حين أسمع
تورعت أن أغتابه من ورائه ... وما هو إذ يغتابني متورع
آخر:
وسوء ظنك بالأذنين داعية ... بأن يخونك من قد كان مؤتمنا
آخر:
احفظ نصيحة من بدا لك نصحه ... ولرأي أهل الخير جهدك فاقبل
القطامي:
لعلك إن رددت علي نصحي ... ستندمك الذي عملت يداكا
أبو الأسود:
ألا رب نصح يغلق الباب دونه ... وغش إلى جنب السرور يقرب
عبد الرحمن بن حسان:
ومتخذ وداً لمن لا يوده ... كمعتذ عذراً إلى غير عاذر
ومستوقد حرباً على غير ثروة ... كمقتحم في اليم ليس بماهر
وعاش بعينيه لمن لا يباله ... كساع برجليه لإدراك طائر
وقال أعرابي: بالمداراة تستخرج الحية من جحرها، وتستنزل الطائر من الهواء، وتقنص الوحش من البيداء.
شاعر:
أخو البشر محمود على حسن بشره ... ولن يعدم البغضاء من كان عابساً
وقال أسماء بن خارجة:
أردت مساتي فاعتمدت مسرتي ... وقد يحسن الإنسان يوماً ولا يدري
وقيل لقس بن ساعدة: صف لنا صديقك فقال:
رحيب الذراع بالذي لا يشينه ... وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا
وقال قيس بن الخطيم:
فإن ضيع الإخوان سراً فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين
وعندي له يوماً إذا ما ائتمنته ... مكان بسوادء الفؤاد مكين
وقيل للحراني: بينك وبين سهل بن هارون صداقة فانعته لنا كي نعرف فقال: هو كالخير، وازن العلم، واسع الحلم، إن فوخر لم يكذب، وإن موزح لم يغضب، كالغيث أين وقع نفع، وكالشمس حيث أوفت أحيت، وكالأرض ما حملتها حملت، وكالماء طهور لملتمسه، وناقع لغلة من احتر إليه، وكالهواء الذي نقطف منه الحياة بالتنسم، وكالنار التي يعيش بها المقرور، وكالسماء التي قد حسنت بأصناف النور.
شاعر:
غمست نفسك في خضراء مغدقة ... وغيرتك على إخوانك النعم
آخر:
لقد أتاك العدى عنا بمنكرة ... فرددوها بإسراف وتكثير
لا تسمعن بنا إفكاً ولا كذباً ... يا ذا الفواضل والنعماء والخير
آخر: