FluentPlex

On Friendship and Friends

Original text Public domain

Read with the dictionary

سمعت العوامي يقول لعلي بن عيسى الوزير: إن الحال بينك وبين ابن مجاهد صفيقة فما الذي قربه منك، ونفقه عليك، وأولعك به؟ قال: وجدته متواضعاً في علمه، هشاً في نسكه، كتوماً لسره، حافظاً لمروءته، شفيقاً على خليطه، حسن الحديث في حينه، محمود الصمت في وقته، بعيد القرين في عصره، والله لو لم يكن فيه من هذه الأخلاق إلا واحدة لكان محبوباً ومقبولاً.

شاعر:

إذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخطط في جار من الماء أحرفا

فهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن ... مودته طبعاً فصارت تكلفا

آخر:

يعاتبكم يا أم عمرو بحبكم ... ألا إنما المقلي من لا يعاتب

آخر:

إذا ما تقضى الود إلا تكاشراً ... فهجر جميل للفريقين صالح

تلونت ألواناً علي كثيرة ... ومازج عذباً من إخائك مالح

ولي عنك مستغنى وفي الأرض مذهب ... فسيح، ورزق الله غاد ورائح

لتعلم أني إذ أردت قطيعتي ... وسامحت بالهجران إني مسامح

آخر:

إذا ما المرء لم يحببك إلا ... مغالب نفسه سئم الغلابا

ومن لا يعط إلا في عتاب ... يخاف، يدع به الناس العتابا

أخوك أخوك من تدنو وترجو ... مودته؛ وإن دعي استجابا

إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا

يواسي في الكريهة كل يوم ... إذا ما معضل الحدثان نابا

وقال رجل لصاحب له: إنما اشتد غضبي، لأن من كان علمه أكثر، كان ذنبه أكبر، قال: فهلاً جعلت سعة علمي سبيلاً إلى حسن الظن بنزوعي، أو إلى أني غالط في تفريطي، مخطىء بقصدي، غير معاند لك، ولا جريء عليك.

ورأيت الزهيري وقد كتب إلى ابن الأزرق كتاباً كتب في آخر هذه الأبيات:

اذهب فلا حاجة لي فيكا ... غطت على عيني مساويكا

وارغبتا فيك بدت سوءتي ... واسوءتا من رغبتي فيكا

قد كنت أرجوك أخاً لي فلا ... أفلح من أمسى يرجيكا

وقال بعضهم: تركتني معرفة الناس فرداً.

وأنشد آخر:

تركتني صحبة الناس ومالي من رفيق ... لم أجد إشفاق ندماني كإشفاق الصديق

قد أتت هذه الرسالة على حديث الصداقة والصديق، وما يتصل بالوفاق، والخلاف، والهجر، والصلة، والعتب، والرضا، والمذق، والرياء، والتحقق، والنفاق، والحيلة، والخداع، والاستقامة، والالتواء، والاستمانة، والاحتجاج، والاعتذار، ولو أمكن لكان تأليف ذلك كلؤه أتم مما هو عليه، وأجرى إلى الغاية في ضم الشيء إلى شكله، وصبه على قالبه، فكان رونقه أبين، ورفيقه أحسن، ولكن العذر قد تقدم، ولو أردنا أيضاً أن نجمع ما قاله كل ناظم في شعره، وكل ناثر من لفظه لكان ذلك عسيراً، بل متعذراً، فإن أنفاس الناس في هذا الباب طويلة، وما من أحد إلا وله في هذا الفن حصة، لأنه لا يخلو أحد من جار، أو معامل، أو حميم، أو صاحب، أو رفيق، أو سكن، أو حبيب، أو صديق، أو أليف، أو قريب، أو بعيد، أو ولي، أو خليط، كما لا يخلو أيضاً من عدو، أو كاشح، أو مداج، أو مكاشف، أو حاسد، أو شامت، أو منافق، أو مؤذ، أو منابذ، أو معاند، أو مزل، أو مضل، أو مغل، وقد قال الأوائل: الإنسان مدني بالطبع، وبيان هذا أنه لا بد له من الإعانة، والاستعانة، لأنه لا يكمل وحده لجميع مصالحه، ولا يستقل بجميع حوائجه، وهذا ظاهر، وإذا كان مديناً بالطبع كما قيل فبالواجب ما يعرض في أضعاف ذلك من الأخذ، والعطاء، والمجاورة والمحاورة، والمخالطة والمعاشرة، ما يكون سبباً لانتشار الأمر، ولا محالة أن هذه وأشباهها مفضية إلى جملة ما نعته هؤلاء الذين روينا نظمهم ونثرهم، وكتبنا جورهم وإنصافهم، وذلك أعلى فنون ما قالوه ونظروه، وعيون ما ذكروه ونشروه، ونروي في هذا الموضع بقية أبيات وإن عن شيء حكيناه، ونغلق الرسالة فإنها إذا طال بغضت، وإذا بغضت هجرت، وربما نيل من عرض صاحبها، وأنحي باللائمة عليه من أجلها، وهو لم يقصد إلا الخير، ولا أراد إلا الرشاد، وقد يؤتى الإنسان من حيث لا يعلم، ويرمي من حيث لا يتقي، كما يأتي من حيث لا يحتسب، وينجو وقد أشفى، ويدرك وقد غلب اليأس. قال العطوي:

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account