أتطلب صاحباً لا عيب فيه ... وأي الناس ليس له عيوب
قال معاوية بن أبي سفيان: أكلت الطعام حتى لم أجد طعمه، وركبت الدواب حتى استرحت إلى المشي، ونكحت الحرائر والإماء حتى ما أبالي وضعت ذكري في فرج أو حائط، وما بقي من لذتي إلا جليس اطرح بيني وبينه الحشمة.
شاعر:
وواثق باعتقادي ليس ينصفني ... إذا تزيدت رفقاً زاد عدوانا
أضربي حسن خلقي عند عشرته ... وربما ضر حسن الخلق أحيانا
وأنشد العطافي فيما رواه لنا المرزباني عن أبي عمرو عنه:
عنف العتاب ملجة ... فتوق من عنف العتاب
واستبق خلة من يلو ... م فذاك أدنى للإياب
واصفح عن الأمر الذي ... إعلانه هتك الحجاب
آخر:
كفى حزناً ألا صديق ولا أخ ... أفاد غنى إلا تداخله كبر
وإلا التوى أو ظن أنك دونه ... وتلك التي جلت فما عندها صبر
فلا زاد فوق القوت مثقال ذرة ... صديق ولا أوفى على عسره يسر
وما ذاك إلا رغبة في إخائه ... وإلا حذار أن يميل به الغدر
ومن صحب الأيام عاتب صاحباً ... وحالف عذالاً وأدبه الدهر
امرؤ القيس:
وخليل قد أفارقه ... ثم لا أبكي على أثره
شاعر:
لا مرحباً بوصال ذي ملق ... تكدي مودته ولا تجدي
وإذا الصديق ذممت خلته ... صيرت قطع حباله وكدي
حتى أرى خلاً يعاشرني ... بمودة أطرى من الورد
آخر:
وصلتك لما كان ودك خالصاً ... وأعرضت لما صار نهباً مقسماً
ولن يلبث الحوض الوثيق بناؤه ... على كثرة الوراد أن يتهدما
شاعر:
ليهنئك بغض في الصديق وظنة ... تحدثك الشيء الذي أنت كاذبه
وكتب عبد الله بن المعتز إلى صديق له: قد أعدت ذكر تصحيح المودة وإخلاص الموالاة بعد أن أكدهما الله لك مني، ومنك عني، وحللت أعلى المراتب من قلبي، وحزت أجزل الحظوظ من ودي، وخاطبك بذلك ضميري، وظهر شاهده من فعلي، فلا تزرين على ما بيننا بالاستزادة بما لا مزيد فيه، والتذكير بما لا ينسى، والتجديد لما لا يخلق، والوصف لما قد عرف، حتى كأن الإخاء معتل، وعقد الوصل منحل، والثقة لم تقع، والهجر متوقع، وسوء الظن يفري ويدع.
لآخر: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
وكتب آخر: أنا والله الولي المخلص، والواد المصحح، ومن إذا شد عقدة أوثقها، وإذا عقد مودة صدقها، والمماذق أخو المنافق، والشاهد هدف للغائب، والرجل يعرف موقع رأيه إذا مال ووالى، وإذا انحرف وعادى، وإذا اجتنب واجتبى، وحركات الإنسان ملحوظة، وأعماله محفوظة، وتصرفه بين ولي مشفق، وعدو مطرق، وكل يرصده وينقده، وللسانه فلتات، ولقلبه هفوات.
وقال بعض البلغاء: ليس تكمل محاسن الصفح إلا بالإضراب عن مذلة التوبيخ، فإن التأنيب أوجع وقعاً في وجه الكريم، من وقع الضرب في بدن اللئيم.
وقال أعرابي: الموبخ بعد العفو أولى بالتوبيخ، لأنه أفسد النعمة بالتذكير، وقبح الصفح بالتعبير.
وقال سهل بن هارون: العفو الذي يقوم مقام العتق ما سلم من تعداد السقطات، وخلص من تذكار الزلات.
وقال رجل للفضل بن سهل ذي الرئاستين: أنت أحق من تغمد هذه الفرطة، واغتفر هذه السقطة.
وقال أعربي: الودود من عذر أخاه، وآثره على هواه.
وكتب النصير إلى صديق له: سقياً لدهر لما خلي بنا، خلا منا، ولما تصدى لنا، تولى عنا، تلك أحق الأيام بالذكرى.
وقال الأحوص المدني: اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودك ومن الاسترسال، حتى تجد له مستحقاً.
وقال أعرابي: إذا جاد لك أخوك بأكثره، فتجاف له عن أيسره.
وقال آخر: الحر يؤثر كرم الاستبقاء، على لؤم الاستقصاء.
وكتب الجراحي إلى صديق له: حرسني الله من الشك في إخلاصك، وأعاذني من سوء التوكل عليك، وأجارني مما يوحش منك، ويباعد عنك.
وقال النصير لصاحب له: أرجو أن يكون فيما لنا عندك، دليل على ما عندنا لك، وإن كنت بالفضل أولى، وبالمكرمة أحرى.