إذا بلغتني وحملتِ رَحلي ... عَرابةَ فاشرَقي بدَم الوَتِين
وقال الحسن بن هانئ في ضِدّ هذا المعنى ما هو أحسن منه في محمد الأمَين:
فإذا المطيُّ بنا بلغْن محمداً ... فظُهورهن على الرجال حَرامُ
وقال أيضاُ:
أقول لناقتي إذ أبلغتْني ... لقد صبحتِ مني باليَمين
فلم أجعلك للغِربان نُحْلاً ... ولا قلتُ اشرَقي بدَم الوتين
فقد عاب بعضُ الرواة قولَ الشماخ واحتجوا في ذلك بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم للأنصارية المأسورة التي نجت على ناقة النبيّ صلى الله عليه وسلم: إِني نذرت يا رسول الله إن نجْا بي الله عليها أن أنحرها قال: بئسما جَزيتيها. ولا نذْر لأحد في مِلْك غيره.
وقد قالت الشعراء فلم تزل تمدح حُسن الهيئة وطيب الرائحة وإسبال الثوب.
قال الفرزدق:
بنو دارم قَومي ترى حُجزاتِهم ... عِتاقاً حواشيها رِقاقاً نِعالهُا
يَجُرون هُدَّابَ اليَماني كأَنهم ... سُيوفٌ جلاَ الأطباعُ عنها صِقالُها
وأول من سبق إلى هذا المعنى النابغة الذبياني في قوله:
رقاقُ النّعال طَيِّبٌ حُجزاتُهم ... يحيَّوْن بالريحان يوم السَّباسبِ
وقال طَرَفة:
ثم راحوا عَبقُ المِسك بهم ... يُلْحِفُين الأرضَ هُدَّابَ الأزُرْ
وقال كُثير عَزِّة في إسبال الذيول يمدح بعض بني أمية:
أشمّ من الغادِين في كُل حُلّة ... يَميسون في صِبْغ من العَصْب مُتْقِن
هم أزر حمر الحَواشي بُطونها ... بأَقدامهم في الحَضْرميّ المُلسَّن
وقال فيه أيضاً:
إذا حُلَل العَصْب اليَماني أجادَها ... أَكُفُّ أساتيذ على النَّسج دُرَّب
أتاهم بها الجابي فراحوا عليهمُ ... تمائمُ من فَضفاضهن المُكَعب
لها طُرُز تحت البَنائِق أدنيت ... إلى مُرهفات الحَضرمي المُعَقْرب
وقال آخر:
معي كُل فَضفاض القَمِيص كأنه ... إذا ما سرتْ فيه المُدَام فَنِيق
وخالفهم فيه صريع الغواني فقال:
لا يَعبق الطيب خدّيه ومَفرقَه ... ولا يُمَسِّح عينيه من الكُحُل
وقال دُريد بن الصِّمَّة يرثي أخاه عبد الله بن الصمة ويصفه بتَشمير الثوب:
كَمِيش الإزار خارجٌ نصف ساقه ... بَعيد عن السوات طَلاّع أنجُدِ
مثل قول الحجاج:
أنا ابن جَلاَ وطَلاعِ الثنايا ... متَى أضع العمامَة تَعرفوني
وقد يُحمل معناهم في تشمير الثوب وسَحبه واختلافهم فيه على وجهين: أحدهما أن يَستحسن بعضُهم ما يَستقبح بعض. والوجه الثاني، وهو أشبه، أن يكون لتشمير الثوب موضع ولسحبه موضع، كما قال عمرو بن معد يكرب:
فيوماً تَرانا في الخزوز نجرّها ... ويوماً تَرانا في الحَديد عوابسَا
ويوماً تَرانا في الثَريد نَدسه ... ويوماً ترانا نكسر الكَعك يابسا
وقال أعشى بكر لعمر بن مَعد يكرب:
وإذا تجيء كتيبةٌ ملمومة ... شهباء يجتنب الكُماة نزالَها
كتب المقدَم غيرَ لابس جُنّة ... بالسيف تَضرب معلماً أبطالها
وقال مُسلم بن الوليد في يزيدَ بن مَزيد خلافَ هذا كُله، وهو:
تراه في الأمن في دِرع مُضاعَفة ... لا يأمن الدهرَ أن يُدعى على عَجل
ولما أنشده يزيدَ بن مزيد، قال له: ألا قلت كما قال الأعشى؟ وأنشده البيتين.
فقال: قولي أحسنُ من قوله، إنه وصفه بالخُرق، وأنا وصفتك بالحَزم.
وقال عبد الملك بن مروان لأسيلم بن الأحنف الأسديّ: ما أحسنُ شيء مُدحت به؟ قال: قول الشاعر:
أسيلم ذا كُمْ لا خَفاً بِمكانه ... لعين تُرجِّي أو لأذن تَسمَّعُ
من النَّفر الشُّم الذين إذا اعتَزَوْا ... وهاب رجال حلْقَة الباب قَعْقَعوا
جلا الأذفُر الأحوى من المسك فَرْقَه ... وطيبُ الدِّهان رأسَه فهوِ أنزع
إذا النَفر السُّود اليمانون حاولوا ... له حَوْكَ بُرديه أدقّوا وأوْسعوا
فقال عبد الملك: أحسن من هذا قول أبي قَيسِ بن الأسلت: