وهي عدة أبيات، فتولّى المُلكَ، والأرض جَمْرة تحتدم، ونارٌ تَضْطرم، وشِقاق ونفاق، فأخمد نيرانَها، وسًكن زلازلها، وافتتحها عَوْداً كما افتتحها بدءًا سميًّه عبدُ الرحمن بن معاوية، رحمه الله. وقد قلتُ وقيل في غَزواته كُلّها أشعار، قد جالت في الأمصار، وشُرِّدت في البلدان، حتى أتهمت أنجدت وأعرقت، ولولا أنٌ الناس مُكْتفون بما في أيديهم منها لأعدنا ذِكرها أو ذِكر بعضها. ولكننا سنذكر ما سبق إلينا من مَناقبه التي لم يتقدَّمه إليها متقدم، ولا أخْت لها ولا نظير، فمن ذلك أوّل غَزاة غَزاها، وهي الغزاة المعروفة بغَزاة المنتلون، افتتح بها سبعين حِصْناً، كُلّ حصن منها قد نَكلت عنه الطوائف، وأعيا على الخلائف. وفيها أقول:
قد أوضحَ اللّه للإِسلام مِنهاجَا ... والناسُ قد دَخلوا في الدِّين أفواجَا
وقد تَزينت الدُّنيا لساكنها ... وكأنما ألْبست وَشْياً ودِيباجا
يا بنَ الخلائف إنّ المُزن لو عَلمت ... نَداك ما كان منها الماءُ ثجَاجا
والحربُ لو علمت بأساً تَصول به ... ما هًيجت من حُميّاك الذي اهتاجا
ماتَ النِّفَاق وأعطى الكُفْرُ ذِمّتَه ... وذلّت الخَيل إلجاماً وإسراجا
وأصبح النصرُ معقوداً بألْوية ... تَطْوي المراحلَ تَهْجِيراً وإِدْلاجا
أدخلتَ في قُبة الإسلام مارقةً ... أخرجتَهم من ديار الشِّرك إخراجا
بجَحْفل تَشْرَقُ الأرض الفضاءُ به ... كالبَحر يَقْذِف بالأمواج أمواجا
يقوده البدرُ يَسْرِي في كواكبه ... عَرمرماً كسواد اللّيل رجْراجا
تَرُوق فيه بُرِوق الموت لامعةً ... وتَسْمعون به للرَّعد أهْزَاجا
غادرتَ في عَقْوتي جَيَّان مَلْحمةً ... أبكيتَ منها بأرض الشرِّك أعلاجا
في نِصْف شهر تركتَ الأرضَ ساكنةً ... من بعدما كان فيها الجَوْرُ قدماجا
وُجِدتَ في الخبر المأثور مُنْصلتاً ... مِن الخلائف خَراجاً وولاجا
تُملأ بك الأرض عدلاً مثل ما مُلئت ... جَوْراً وتُوضِحُ للمَعروفِ مِنْهاجا
يا بَدْر َظُلمتها يا شَمْسَ صُبحتها ... يا ليْثَ حَوْمتها إنْ هائجٌ هاجا
إنّ الخلافةَ لن تَرْضىَ ولا رَضِيت ... حتى عَقدت لها في رَأسك التَّاجا
ولم يكن مثل هذه الغَزاة لملك من الملُوك في الجاهلية والإسلام. وله غَزاة مارشن، التي كانت أخت بَدر وحُنين، وقد ذكرناها على وجهها في الأرجوزة التي نظمتُها في مَغازيه كُلِّها من سنة إحدى وثلثمائة إلى سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، وأوقعناها في أسفل كتابنا لتكون جامعةً لمغازي أمير المؤمنين، وجعلتُها رجزاً لخفّة الرجز وسُهولة حفظه وروايته. ومن مَناقبه: أن الملوك لم تزل تَبني على أقدارها، وُيقضى عليها بآثارها، وأنّه بَنى في المُدة القليلة ما لم تَبن الخلفاءُ في المدة الطويلة. نعم، لم يبق في القَصر الذي فيه مصانع أجداده ومعالم أوليّته بِنْية إلا له فيها أثر مُحدث، إما تزْييد أو تَجْديد ومن مناقبه: أنّه أوّد من سُمِّي أميرَ المؤمنين من خلفاء بنى أمية بالأندلس. ومن مَناقبه التي لا أخت لها ولا نَظير، ما اعْجز فيه مَن بعده، وقات فيه مَن قبله، الجودُ الذي لم يُعرف لأحد من أجواد الجاهلية والإسلام إلا له. وقد ذكرتُ ذلك في شعري الذي أقول فيه:
يا بن الخلائف والعُلا للمُعْتلِى ... والجودُ يُعْرف فضلُه للمفضل
نوَهت بالخُلفاء ِبل أخْملتهم ... حتى كأن نَبيلهم لم يَنبُل
أذْكرتَ بل أنْسيت ما ذكر الألى ... من فِعلهم فكأنه لم يُفعَل
وأتيتَ آخرَهم وشَأوُك فائتٌ ... للآخِرين ومُدْرِكٌ للأوّل
الآن سمَيَتِ الخلافةُ باسمها ... كالبَدْر يُقرَن بالسماك الأعْزل
تأبَى فَعالُك أن تُقر لآخِر ... منهمْ وجُودُك أن يكون لِأول
وهذه الأرجوزة التي ذكرَت جميع مغازيه، وما فتح الله عليه فيها في كل غزاة