وشافِه علىِ أرْض الفَضاء جَماجماً ... كأقحاف شِرْيان الهَبيد لَوَامِعا
تنبئْك أني لم أكن عن قراعهم ... بوانٍ وأني كنت بالسيف قارعا
ولما تَساقَينا سِجال حُروبنا ... سَقَيتُهم يسُمًا من المَوت ناقِعا
وهل زِدْت أنْ وَفَّيتُهم صاعَ قَرْضهم ... فوافَوْا مَنايا قُذَرت ومَصارعا
قال عثمانُ بن المُثنى المؤدَب: قَدم علينا عباس بن ناصح من الجَزيرة أيامَ الأمير عبد الرحمن بن الحكم، فاستنشدني شِعْرَ الحَكم، فأنشدْتُه، فلما انتهيتُ إلى قوله:
هل زِدْت أن وَفيتهم صاعَ قَرْضهم
قال: لو جوثي الحكم في حُكومة لأهل الربض لقام بعُذره هذا البيت.
عبد الرحمن بن الحكم
ثم ولي بعده عبدُ الرحمن بن الحَكم، أندى الناس كَفَاً، وأكرمُهم عَطفاً، وأوسعُهم فَضْلاً، في ذي الحجَّة سنة لسِتٍّ ومائتين، فمَلك إحدى وثلاثين سنة وخمسةَ أشهر. ومات ليلةَ الخميس لثلاث خَلَون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وستِّين سنة، وكتب إليه بعضُ عُماله يسأله عملاً رفيعاً لم يكن مِن شاكلته، فَوقع في أسفل كتابه: مَن لم يُصِبْ وَجْهَ مَطلَبه، كان الحِرمان أولى به.
محمد بن عبد الرحمن
ثم ولي المُلكَ محمدُ بن عبد الرحمن، يومَ الخميس لثلاث من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملك أربعاً وثلاثين سنة، وتُوفي يومَ الجمعة مُستهلّ ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وهو ابنُ سبع وستين سنة. وكتب عبد الرحمن بن الشَّمر إلى الأمير محمد بن عبدِ الرحمن في حياة أبيه عبد الرحمن، وكان يتجنّب الوُقوف ببابه مخافةَ نصر الفَتى، فلما مات نصرٌ كتب ابنُ الشَمِر هذه الأبياتَ إلى محمد يقوله فيها:
لئن غابَ وَجْهي عنكَ إنَّ مَودَّتي ... لشاهدة في كلِّ يومٍ تُسَلّمُ
وما عاقني إلّا عدوٌّ مُسلَّطٌ ... يُذلُ ويُقصي مَن يشاء وًيرغم
ولم يَسْتطل إلّا بكم وبعزّكم ... ولا يَنبغي أن يُمْنح العِز َّمُجرم
فمكّنتموه فاستطال عليكُم ... وكادت بنا نيرانُه تتضرَّم
كذلك كَلْب السَّوء إنْ يشبع انبَرى ... لمُشْبعه مستشلياً يَترمرم
فجَمِّع إخواناً لُصوصاً أرذالاً ... ومَنَاهُم أنْ يَقْتُلونا ويَغْنموا
رأى بأمين اللّه سًقماً فَغَرَّه ... ولم يَك يَدْري أنه يتقدَّم
فَنَحْمد ربًّا سَرَّنا بهلاكه ... فما زال بالإحْسان والطَّول يُنْعم
أراد يكَيد اللّه نصْرٌ فكاده ... ولله كَيْد يَغلب الكَيْدَ مُبرَم
بَكى الكًفرُ والشيطانُ نصراً فأعوَلا ... كما ضحِكَت شوقاً إليه جَهنم
وكانت له في كُل شهرٍ جِبايةٌ ... جِباية آلافٍ تُعَد وتُختَم
فهل حائطُ الإسلام يَوماً يسومهم ... بما اجترموا يوماً عليه وأقدموا
وُينْهبنا أموالَهم وهو فاعل ... فإنّي أرى الدُنيا له تَتبسَّم
ألا أَيها الناسُ اسمعوا قولَ ناصحٍ ... حريص عليكم مُشفِق وتَفهَّموا
محمد ُنُورٌ يُستضاء بوَجهه ... وسَيْفٌ بكف الله ماضٍ مُصمّم
فكونُوا له مثلَ البَنين يَكنْ لكم ... أباً حدِباً في الرُحْم بل هو أرحم
فيا بن أمين اللّه لا زلتَ سالماً ... مُعافًى فإنا ما سلمتَ سنَسْلم
ألستَ المُرَجى من أميّة والذي ... له المَجْدُ منها الأتلدُ المُتَقدّم
وأنتَ لأهل الخَير رَوحٌ ورَحمة ... نَعَمْ ولأهلِ الشَرِّ صاب وعَلقَم