FluentPlex

The Unique Necklace

الحكم بن هشام

Original text Public domain

Read with the dictionary

ثم وَلي هشامُ بن عبد الرَّحمن لسبع خَلَون من جُمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين ومائة، ومات في صَفَر سنة ثمانين ومائة. فكانت ولايتُه سبعَ سنين وعشرةَ أشهرِ. ومات وهو ابنُ إحدى وثلاثين سنة. وهو أحسنُ الناس وجهاً، وأشرفهم نفساً، الكامل المُروءة، الحاكم بالكتاب والسنة، الذي أخذ الزكاة على حِلِّها، ووَضعها في حَقها، لم يُعرف منه هفوة في حداثته، ولا زَلة في أيام صِباه.

ورآه يوماً أبوه وهو مُقبل مُمتلىء شباباً فأعجبه، فقال: يا ليتَ نساء بني هاشم أبصرنه حتى يَعُدن فواركَ. وكان هشامَ يصرِّر الصُّرر بالأموال في ليالي المَطر والظلْمة، ويَبعث بها إلى المساجد. فيُعطي مَن وُجد فيها. يريد بذلك عمارة المساجد، وأوصى رجلٌ في زمن هشام بمال في فكّ سَبَّيه من أرْض العدو، فطُلبت فلم توجد؛ احتراساً منه للثغر واستنقاذاً لأهل السَّبْي.

الحكم بن هشام

ثم وَلي الخلافة الحكمُ بنِ هشام في صَفر سنة ثمانين ومائة، وكانت ولايتُه ستا وعشرين سنة وأحد عشر شهراَ. ومات يومَ الخميس لثلاث بَقِين من ذي الحجّة سنة ست ومائتين. وهو ابنُ اثنتين وخمسين سنة. وكانت فيه بَطالهّ، إلا أنه كان شُجاعَ النفس، باسطَ الكَف، عظيم العَفْو، متخيراً لأهلٍ عمله ولأحكام رعيته أورعَ من يقدر عليهم وأفضلَهم، فيسلطهم. على نَفسه فضلاً عن ولده وسائر خاصّته. وكان له قاض قد كَفاه أمورَ رعيّته بفَضْله وعَدله ووَرعه وزُهده، فمرض مرضاً شديداً، واغتمَ له الحَكَم غمًّا شديداً. فذكر يزيدُ فتاه أنه أرِق ليلة وبَعُد عنه نومُه وجَعل يَتململ على فراشه، فقلت: اصلح اللّه الأمير، إني أراك متململاً وقد زال النومُ عنك فلم أدْرِ ما عَرض لك؟ قال: ويحك! إني سمعتُ نائحة هذه الليلة وقاضينا مريض، فما أراه إِلا قد قَضي نحبه، وأين لنا بمثله؟ ومَن يقوم للرعية مَقامه؟ ثم إن القاضي مات، واستقضى الحكمُ بعده سعيدَ ابن بَشير. فكان أقصدَ الناس إلى حق، أخذهم بعَدل، وأبعَدهم من هوى، وأنفذَهم لحُكم. رَفع إليه رجلٌ من أهل كُورة جَيَّان أنّ عاملاً للحَكم اغتصبه جاريةً وعَمِل في تَصْييرها إلى الحَكم، فوقعت من قَلبه كلَّ موقع، وأن الرجل أثبتَ أمرَه عند القاضي، وأتاه ببيّنة وشُهود يَشْهدون على مَعْرفة ما تظلم منه وعلى عَين الجارية ومَعْرفتهم بها. وأوجبت البيّنةُ أن تحضر الجارية، واستأذن القاضي على الحَكم، فأذِن له، فلما دخل عليه، قال: إنه لا يتم عَدْل في العامّة دون إِفاضته في الخاصَّة، وحَكى له أمرَ الجارية وخَيّره في إبرازها إليه. أو عَزْله عن القضاء. فقال له: ألا أدْعوك إلى خير من ذلك؟ تَبتاع الجارية من صاحبها بأنفس ثمن وأبلغ ما يسأله فيها. فقال: إنَّ الشَهودَ قد شَخصوا من كُورة جَيان يَطلبون الحق في مظانّه، فلما صاروا ببابِك تَصرْفهم دون إنفاذ الحقّ لأهله، ولعلّ قائلاً أن يقول: باعَ ما يملك بيعَ مُقتسَر على أمْره. فلما رأى عَزْمه أمَر بإخراج الجارية من قَصرِه، وشهِد الشَّهودُ على عَيْنها، وقَضى بها لصاحبها.

وكان سعيدُ بن بَشير القاضي إذا خَرج إلى المسجد، أو جَلس في مَجلس الحُكم، جلس في رِداء مُعَصفر وشعر مُفَرق إلى شَحْمة أذنيه، فإذا طُلب ما عنده وُجد أوْرعَ الناس وأفضلهم.

وكانت للحكم ألف فَرس مَرْبوطة بباب قَصره على جانب النَهر، عليها عَشرة عُرفاء، تحت يدِ كل عَريف منها مائةُ فرس لا تُندب ولا تَبْرح، فإذا بلغه عن ثائر في طَرفٍ من أطرافه عاجَله قبل استحكام أمره، فلا يَشعر حتى يحاط به. وأتاه الخبر: أن جابرَ بنَ لَبيد يُحاصر جيّان وهو يَلْعب بالصولجانِ في الجِسرِ. فدكا بعَريف من أولئك العُرفاء فأشار إليه أن يخرج مَن تحت يده إلى جابر بن لبيد، ثم فَعل مثلَ ذلك بأصحابه من العرفاء. فلم يَشْعر ابنُ لَبيد حتى تساقطوا عليه مُتساوين، فلما رأى ذلك عدوُّه سُقط في أيديهم وظَنّوا أن الدنيا قد حُشرت لديهم، فولّوا مُدبرين.

وقال الحَكم يوم الهيجاء بعد وقعةِ الرَّبض:

رأبت صُدوعَ الأرْض بالسَّيف راقعاً ... وقِدْماً رأبتُ الشَّعب مُذ كُنتُ يافعَا

فسائلْ ثُغوري هل بها اليوم ثُغْرةٌ ... أبادِرُها مُسْتنْضيَ الصيف دارِعا

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account