كلا وربِّ محمدٍ وإِلهِه ... حتى تُباح سهولُها وحُزونها
ثم أخذ قَلنسوته من رأسه فضَرب بها الأرض، فأقبل أولئك الجند على بني أمية فخَبطوهم بالسّيوف والعَمد. وقال الكلْبي الذي كان بينهم، وكان من أتباعهم: أيها الأمير، إني والله ما أنا منهم. فقال عبدُ الله بن علي:
ومُدْخلٍ رأسَه لم يَدْعُه أحد ... بين العرينَيْن حتى لَزَه القَرَنُ
اضربوا عُنقه، ثم أقبل على الغَمْر فقال: ما أحسبُ لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا. فقال: أجل. قال: يا غلام، اضرب عُنقه فأقيم مِن المُصلى فضرُب عنقه. ثم أمر ببساط فطُرح عليهم، ودعا بالطعام فجعل يأكل وانين بعضهم تحت البِساط.
وفي رواية أخرى قال: لما قَدم الغَمْر بن يزيد بن عبد الملك على أبي العباس السفاح في ثمانين رجلاً من بني أمية، فوُضعت لهم الكراسي ووُضعت لهم نمارق وأجْلسوا عليها، وأجلس الغمرَ مع نَفْسه في المُصلى، ثم أذن لشِيعته فدخلوا، ودخل فيهم سُديف بن مَيمون، وكان مُتوشِّحاً سيفاً متنكّباً قوساً، وكان طويَلاً آدم، فقام خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيزعُم الضُلال بما حَبِطت أعمالُهم أنّ غَير آل محمد صلى الله عليه وسلم أولى بالخلافة، فلِم وبم؟ أيها الناس، ألكم الفَضل بالصَحابة دون ذوي القرابة، والشُرِكاء في النسب، الأكفاء في الحسب، الخاصَّة في الحياة، الوُفاة عند الوفاة، مع ضربهم على الأمر جاهلكم، وإطعامهم في الَّلأواء جائعكم؛ فلكم قَصم الله بهم من جبّار باغ، وفاسِقٍ ظالم. لم يسمع بمثل العباس، لم تَخضع له الأمة بواجب حق الحُرمة، أبو رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد أبيه، وجِلْده ما بينَ عيْنيه، أمنيةُ ليلة العقبة، ورسولُه إلى أهل مكة، وحاميه يوم حُنين، لا يَردّ له رأياً، ولا يُخالف له قَسَمِا. إنكم واللّه معاشرَ قُريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث اختار اللّه لكم، تيميّ مرةَ وعدويّ مرة، وكُنتم بين ظَهْراني قوم قد اثروا العاجلَ على الآجل، والفاني على الباقي، وجَعلوا الصدقاتِ في الشهوات، والفَيءَ في اللّذات، والمغانم في المحارم، إذا ذُكِّروا باللّه لم يذكروا، وإذا قُدِّمُوا بالحق أدبروا، فذلك كان زمانُهم، وبذلك كان يَعمل سلطانهم.
فلما كان الغد أذن لهم فدَخلوا ودخل فيهم شبِل، فلما جلسوا قام شِبْل فاستأذن في الإنشاد، فأذِن له فأنشد:
أصبح الملكُ ثابتَ الأساس ... بالبهاليل من بَني العبًاس
طَلبوا وِتْر هاشمٍ فَلَقُوها ... بعد مَيْل من الزَمان وباس
لا تُقِيلن عبدَ شمس عِثاراً ... اقطعُوا كل نخلة وغِراس
ولقد غاظَني وغاظَ سَوائِي ... قُرْبُهم من مَنابر وكَراسي
واذكُروا مَصْرع الحُسين وزيداً ... وقَتيلاً بجانب المهرَاس
وقتيلاً بجَوْف حَرَّان أضحَى ... تَحْجُل الطيرُ حوله في الكِناس
نِعم شبْل الهراش مولاك شِبْل ... لو نجا من حَبائل الإفلاس
ثم قام وقاموا. ثم أذن لهم بعد، فدخلوا ودخل الشَيعة. فلما جلسوا قام سُديف بن ميمون، فأنشد:
قد أتتك الوُفود من عبد شَمْس ... مستعدين يُوجعون المِطيا
عَنوِة أيها الخليفة لا عَن ... طاعةٍ بل تَخوَفوا المَشرفيّا
لا يَغرَنْك ما. ترى من رجالٍ ... إن تحتَ الضلوع داءً دَوِيّا
فضَع السيفَ وارفع السَّوط حتى ... لا ترى فوقَ ظَهْرها أمويا
ثم قام خَلَف بن خَليفة الأقطع فأنشد:
إن تُجاوز فقد قَدرتَ عليهم ... أو تُعاقب فلم تُعاقِب بريّا
أو تُعاتبهم على رقة الدِّين فقد كان دينهم سامرياً
فالتفت أبو العباس إلى الغَمر، فقال: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: والله إن هذا لشاعر، ولقد قال شاعرنا ما هو أشعر من هذا. قال: وما قال؟ فأنشده:
شَمس العَداوة حتى يستقادَ لهم ... وأعظمُ الناس أحلاماً إذا قَدَروا