وقَرَّب الوليدُ بن يزيد فرسَه جراميزَه ووَثب على سرجه، ثم التفت إلى ولد هشام، وقال له: هل يقدر أبوك أن يصنع مثل هذا؟ قال: لأبي مائة عبد يَصنعون مثلَ هذا. فقال الناس: لم يُنصفه في الجواب. العُتبي عن أبيه، قال: سمعتُ معاوية بن عَمرو بن عُتبة يحدَث، قال: إني لقاعد بباب هشام بن عبد الملك، وكان الناسُ يتقرّبون إليه بعَيب الوليد ابن يزيد، قال: فسمعتُ قوماً يعيبونه، فقلت: دَعُونا من عَيب مَن يلزمنا مَدْحُه، ووَضْع مَن يجب علينا رَفعُه. وكانت للوليد بن يزيد عيونٌ لا يَبرحون بباب هشام، فنقلوا إليه كلامي وكلامَ القوم، فلم ألبث إلا يسيراً حتى راح إليّ مولُى للوليد، قد التحف على ألف دينار، فقال لي: يقوِل لك مولاي: أنفق هذه في يومك، وغداً أمامَك. قالت: فمُلئت رُعباً من هشام وخشيت سطوتَه، ورماه الله بالعلّة فدفنّاه لثمانيةَ عشرَ يوماً بعد ذلك اليوم. فلما قام الوليدُ بعده دخلت عليه، فقال لي: يا بن عُتبة، أتراني ناسياً قُعودَك بباب الأحول يَهْدَمني وتبنيني، ويَضَعني وتَرْفعني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، شاركتَ قومَك في الإحسان، وتفردّت دونهم بإحسانك إليّ، فلستُ أحمد لك نفسي في اجتهاد، ولا اعذُرها في تَقصير، وتَشهد بذلك ألسنةُ الجائزين بنا، ويُصَدِّق قولَهم الفِعالُ منا. قال كذلك أنتم لنا آلَ أبي سُفيان، وقد أقطعتُك مالي بالبَثَنِيَّة وما أعلم لقُرشي مثلَه. وقال عبدُ الله بن عَبْد الحَكم فقيه مِصْر: سمعتُ الأشياخ يقولون: سنةَ خمس وعشرين ومائة أديل من الشرف وذَهبت المُروءة، وذلك عند مَوْت هشام بن عبد الملك. قال أبو الحسن المدائنيّ: مات هشامُ بن عبد الملك بالذبْحة يوم الأربعاء، بالرُّصافة في ربيع الآخر لستٍ خلَوْن منه، سنة خمس وعشرين ومائة، وصلّى عليه مَسْلمة بن هشام أو بعضُ ولده، واشتُريَ له كفَن من السوق.
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك
بُويع للوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء لثلاث خَلَوْن من ربيع الآخر سنة خَمس وعشرين ومائة. وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف، أخي الحجاج بن يوسف. وقُتل بالبخراء، من تَدْمر على ثلاثة أميال، يومَ الخميس لليلتين بقيتا من جُمادى الآخرة سنة ستٍ وعشرين ومائة، وهو ابنُ خس وثلاثين، أو لسِتٍ وثلاثين. قال حاتم بن مُسلم: ابن خَمس وأربعين وأشهر. وكانت ولايتَه سنة وشَهرين واثنين وعشرين يوماً. فأولُ شيء نَظر فيه الوليدُ أن كَتب إلى العباس ابن الوليد بن عبد الملك أن يَأْتي الرصافة يُحْصي ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذُ عُماله! وحَشمه، إلا مَسلمة بن هشام، فإنه كَتب إليه أن لا يَعْرض له ولا يدخل منزله. وكان مَسلمة كثيراً ما يكلم أباه في الرفق بالوليد. ففَعل العبًاس ما أمره به. وكَتب الوليدُ بن يزيد إلى يوسف بن عمر، فقَدِم عليه من العراق، فدَفع إليه خالدَ بن عبد الله القَسريّ ومحمداً وإبراهيم، ابني هشام بن إسماعيل المَخزومي، وأمره بقَتلهم. فحدث أبو بِشْر بن السرِيّ قال: رأيتُهم قدِم بهم يوسفُ بن عُمر الحِيرةَ، وخالدٌ في عَباءة في شِقِّ مَحْمُل، فعذبهم حتى قَتلهم. ثم عَكف الوليدُ على البَطَالة وحُب القِيان والمَلاهي والشراب ومُعاشقة النساء، فتَعشَق سُعدى بنت سَعيد بن عمرو بن عثمان بن عفّان، فتزوّجها! ثم تَعشَّق أختَها سَلْمى، فطفَق أختَها سُعدى وتزوج سَلمى، فرجعت سُعدى إلى المدينة فتزوّجت بِشْر بن الوليد بن عبد الملك. ثم نَدِم الوليدُ على فِراقها وكلِف بحُبِّها، فدَخلِ عليه أشعبُ المُضحك، فقال له الوليد: هل لك على أن تبلّغ سُعدى عني رسالةَ ولك عشرون ألفَ دِرْهم؟ قال: هاتِها، فدَفعها إليه. فقبَضها وقال: ما رسالتُك؟ قال: إذا قدمتَ المدينة فاستأْذِنْ عليها، وقل لها: يقول لك الوليد:
أسُعْدى ما إليك لنا سَبيل ... ولا حَتَّى القيامة مِن تلاقِي
بَلى، ولعلّ دهراً أن يُؤَاتي ... بمَوْت مِن حلِيلكِ أو فِراق