إذا انصرفتْ نَفْسي عن الشيَّء لم تَكُن ... عليه بوَجهٍ آخرَ الدَهر تُقْبِلُ
قال أصبغ بن الفَرج: لم يكن في بني مَرْوان من مُلوكها أعطرَ ولا ألبس من هشام، خَرج حاجًّا فحَمل ثيابَ طُهره على ستمائة جَمل. ودَخل المدينةَ، فقال لرجل: انظر مَن في المسجد. فقال: رجل طويل أدْلمِ. قال: هذا سالمُ بن عبد اللهّ، ادعه. فأتاه، فقال: أجِبْ أمير المؤمنين وإن شئت أرْسِل فتُؤْتى بثيابك. فقال: ويحك! أتيتُ اللّه زائراً في رِداء وقَميص ولا أدخل بهما على هشام! فدخل عليه، فوصله بعشرة آلاف. ثم قَدِم مكة فقَضى حجه، فلما رجع إلى المدينة، قيل له: إن سالماً شديدُ الوَجع، فدَخل عليه وسأله عن حاله. ومات سالمٌ فصلِّى عليه هشام، وقال: ما أدْري بأي الأمرين أنا أسرّ: بحِجتي أم بصَلاتي على سالم. قال: ووقف هشامٌ يوماً قريباً من حائط فيه زَيتون له، فسمع نَفْض الزيتون، فقال لرجل: انطلق إليهم فقُل لهم: التقطوه ولا تَنفُضوه، فتفقئوا عُيونه، وتَكسروا غصونه. وخرج هشام هارباً من الطاعون، فانتهى إلى دَير فيه راهب، فأدخله الراهبُ بًستانَه، فجعل يَنْتقي له أطايبَ الفاكهة والبالغَ منها. فقال هشام: يا راهب، هَبْني بستانَك هذا. فلم يُجبه. فقال: مالك لا تتكلِّم؟ فقال: وَدِدْتُ أن الناس كلَهم ماتوا غيرَك. قال: ولم؟ قال: لعلّك أن تَشبع. فالتفت هشام إلى الأبرش فقال: أتسمع ما يقول؟ قال الأبرش: بلى واللّه، ما لقيك حر غيره. العُتبيّ قال: أنّي لقاعد عند قاضي هشام بن عبد الملك إذ أقبل إبراهيمُ ابن محمد بن طلحة وصاحب حَرَس هشام حتى قعدا بين يديه، فقال الحَرَسي: إن أمير المؤمنين جَراني في خصومة بينه وبين إبراهيم. قال القاضي: شاهدَيك على الجراية. فقال: أتُراني قلتُ على أمير المؤمنين ما لم يقل، وليس بيني وبينه إلا هذه الستارة؛ قال: لا، ولكنه لا يَثْبت الحقُّ لك ولا عليك إلا ببينة. قال: فقام، فلم يَلْبث حتى قَعقعت الأبوابُ وخرج الحرسي، فقال: هذا أمير المؤمنين. قال: فقام القاضي، فأشار إليه فقَعد، وبَسط له مُصلى فقعد عليه هو وإبراهيم، وكُنّا حيث نَسمع بعضَ كلامهما ويحفى علينا البعضُ. قال: فتكلّما وأحضرت البيّنة، فقضى القاضي على هشام. فتكلم إبراهيم بكلمة فيها بعض الخُرق، فقال: الحمد لله الذي أبان للناس ظُلمك. فقال هشام: لقد هَممتُ أنْ أضربَك ضربةً يَنْتثر منها لحمًك عن عَظمك. قال: أما والله لئن فعلتَ لتفعلنه بشيخ كبير السن، قريب القَرابة، واجب الحقّ. قال له: استُرها عليّ يا إبراهيم. قلت: لا سَتر الله عليَّ ذنبي إذاً يومَ القيامة. قال: إنّي مُعطيك عليها مائة ألف. قال إبراهيم: فسترتُها عليه طولَ حياته ثمناً لما أخذتُ منه وأذعتُها عنه بعد موته تزييناً له. وذكروا عن الهَيثم ابن عَدي قال: كان سعيدُ بن هشام بن عبد الملك عاملًا لأبيه على حِمْص، وكان يُرْمَى بالنساء والشراب، فقَدِم حِمصيُّ لهشام، فلقيه أبو جَعد الطائي في طريق، فقال له: هل تَرى أنْ أعطيَك هذه الفرس، فإني لا أعلم بمكانٍ مثلَها على أنْ تُبلِّغ هذا الكتابَ أميرَ المؤمنين، ليس فيه حاجة بمسألة دينار ولا درهم؟ فأخذها وأخذ الكتابَ. فلما قدم على هشام سأله: ما قِصة هذه الفرس؟ فأخبره. فقال: هاتِ الكتاب، فإذا فيه:
أبْلِغ إليك أميرَ المُؤمِنين فقدْ ... أمدَدتَنا بأميرِ ليس عِنِّينَا
عَوْراً يُخالف عمراَ في حَليلتِه ... وعند ساحته يُسْقَىَ الطِّلا دِينا
قلما قرأ الكتاب بعث إلى سَعيد فأشخصه، فلما قدمِ عليه عَلاه بالخَيْزرانة وقال: يا بن الخبيثة، تَزني وأنت ابن أمير المؤمنين! ويلك! أعجزت أن تَفْجُر فجور قريش؟ أوَ تدري ما فُجور قريش لا أم لك؟ قتْلِ هذا، وأخْذ مال هذا، واللهّ لا تلي لِه عملاً حتى تموت. قال قال: فما وَلى له عملاَ حتى مات.