أبو الحسن قال: لما قَدِمَ أبو الأسود الدؤلي على معاوية عامَ الجماعة، قال له معاوية: بلغني يا أبا الأسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يَجعلك أحد الحَكمين، فما كنتَ تحكم به؟ قال: لو جعلني أحدهما لجمعتُ ألفاً من المهاجرين وأبناء المهاجرين، وألفاً من الأنصار وأبناء الأنصار، ثم ناشدتُهم اللهّ: المُهاجرين وأبناء المهاجرين أولى بهذا الأمر أم الطلقاء؟ قال له معاويةُ: لله أبوك! أي حَكم كنتَ تكون لو حكَمت!
احتجاج علي وأهل بيته في الحكمين
أبو الحسن قال: لما انقضى أمرُ الحَكمين واختلف أصحابُ عليّ قال بعض الناس: ما مَنع أميرَ المؤمنين أن يأمر بعضَ أهل بيته فيتكلّم، فإنه لم يبق أحدٌ من رؤساء العرب إلا وقد تكلّم. قال: فبينما علي يوماً على المِنبر إذ التفت إلى الحسن ابنه فقال: قُم يا حسن فقل في هذين الرجلين: عبد اللّه بن قيس وعمرو بن العاص. فقام الحسن فقال: أيها الناس، إنكم قد أكثرتم في هذين الرجلين، وإنما بُعِثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فَحكما بالهَوى على الكتاب. ومَن كان هكذا لم يُسَم حَكَماً، ولكنه مَحكوم عليه. وقد أخطأ عبدُ الله بن قيس إذ جعلها لعبدِ الله بن عُمر، فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة، أنه خالف أباه، إذ لم يَرضه لها، ولا جعله من أهل الشُورى؛ وأخرى، أنه لم يستأمره في نفسه؛ وثالثة، أنه لم يَجتمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الِإمارة ويحكمون بها على الناس. وأما الحكومة، فقد حَكم النبيّ عليه الصلاةُ والسلام سعدَ بن مُعاذ في بني قُريظة، فحَكم بما يُرضي اللهّ به ولا شكّ، ولو خالف لم يَرضه رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم جلس. فقال لعبد اللهّ بن عبّاس: قُمِ. فقال عبدُ اللهّ بن عبّاس، بعد أن حَمِد اللهّ وأثنى عليه: أيها الناس، إنّ للحق أهلا أصابوه بالتوفيق، فالناسُ بين راض به وراغب عنه، فإنه بَعث عبدَ اللهّ بن قَيس بًهدًى إلى ضلالة، وبَعث عمرو بن العَاص بضَلالًة إلى هُدًى، فلما التقيا رَجع عبدُ اللّه بن قَيس عن هُداه وثَبت عمرو على ضلاله. وايم اللّه، لئن كانا حَكما بما سارا به، لقد سار عبدُ اللّه وعليّ إمامه، وسار عمرو ومعاوية إمامه، فما بعد هذا من عَيب يُنتظر؟ فقال عليّ لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: قُم. فقام فَحمد اللهّ وأثنَى عليه، وقال: أيها الناس، إنّ هذا الأمر كان النظر فيه إلى عليّ، والرّضا إلى غيره. فَجئتم إلى عبد اللهّ بن قَيسِ مُبرنساً فقلتم: لا نَرضى إلا به. وايم اللهّ، ما استفدنا به عِلماً، ولا انتظر نامنه غائباَ، وما نَعرفه صاحباً. وما أفسدا بما فعلا أهلَ العراق، وما أصلحا أهل الشام، ولا وَضعا حق عليّ، ولا رفعا باطل معاوية، ولا يُذهب الحق رُقية راق، ولا نَفَحة شيطان، ونحن اليوم على ما كُنّا عليه أمس.
احتجاج عليّ على أهل النهروان