FluentPlex

The Unique Necklace

باب المتعصبين للعرب

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

قال بعضُ مَن يَرى رَأْيَ الشعوبية فيما يَرُد به على ابن قتيبة في تَبايُنِ الناس وتفاضلهم، والسّيد منهم والمَسود: إننا نحن لا نُنكر تَباين الناس ولا تَفاضلهم، ولا السيد منهم ولا المسود، ولا الشَّريف ولا المَشرْوف، ولكنا نزْعم أن تَفاضل الناس فيما بَينهم ليس بآبائهم ولا بأحْسابهم، ولكنه بأفْعالهم وأخلاقهم وشرَف أنْفسهم، وبُعْد هِمَمهم، ألا تَرى أنّه من كان دنيء الهمَّة، ساقِطَ المرُوءة، لم يَشْرُف وإنْ كان مِن بني هاشم في ذُؤَابتها، ومن أمية في أرُومتها، ومن قَيْس في أشْرف بَطْن منها إنَّما الكَرِيم مَن كَرُمت أفعالُه، والشَّريف مَن شَرُفت همَّته، وهو مَعْنى حديثِ النبيّ عليه الصلاة والسلام: إذا أتاكم كَرِيمُ قَوْم فأكْرموه، وقوله في قيس بن عاصم: هذا سيّد أهْل الوَبَر. إنما قال فيه هذا لسُؤدَده في قَوْمه بالذبّ عن حَرِيمهم، وَبَذْلِه رِفْدهُ لهم، ألا تَرى أن عامر بن الطُّفيل، وكان في أشْرف بَطْن في قيس، يقول:

وإنِّي وإنْ كُنتُ ابن سَيِّد عامرٍ ... وفارِسها المَشهور في كُلِّ مَوْكَب

فما سَوَّدتني عامرٌ عن وراثةٍ ... أبىَ الله أنْ أسْمُو بأمِّ ولا أب

ولكنّني أحمي حِمَاها وَأتَّقي ... أَذاها وأرمي مَن رَماها بِمنْكب

وقال آخر:

إِنّا وإنّ كرُمت أوائلنا ... لَسْنَا على الأحْسَاب نَتَّكِلُ

نبْني كما كانت أوائلُنا ... تَبْني ونَفْعل مثلَ مافَعَلُوا

وقال قَيْس بن ساعدة: لأقْضين بين العَرب بقضيَّة لم يَقْض بها أحدٌ قَبلي ولاَ يردّها أحدٌ بعدي، أيُّما رجلٍ رَمَى رجلاً بِمَلأمة دُونها كَرم فلا لُؤم عليه، وأيّما رجل أدّعي كَرماً دونه لُؤم فلا كرم له. ومثله قولُ عائشة أم المؤمنين: كُل كَرم دُونه لُؤم فاللُّؤم أولى به، وكُل لُؤم دونه كرم فالكرمُ أوْلى به تَعني بقولها: أن أوْلى الأشياء بالإنسان طَبائعُ نَفْسه وخِصالُها، فإذا كَرُمت فلا يَضُرُّه لؤم أوَّليته، وإذا لَؤُمت فلا يَنْفعه كرم أوليَّته. وقال الشاعر:

نَفس عِصَامٍ سوَّدت عِصَامَا ... وعَلَّمته الكرَّ والإقْدَامَا

وصَيَّرتْه مَلِكاً هُمامَا

وقال آخر:

ما ليَ عَقْلي وهِمَّتي حَسَبي ... ما أنا مَوْلًى ولا أنا عرَبي

إنِ آنتَمى مُنْتمٍ إلى أحدٍ ... فإنّني مُنْتمٍ إلى أدبي

وتكلَّم رجلٌ عندي عبد الملك بن مَرْوان بكلام ذَهب فيه كل مَذْهب، فأعجب عبدَ الملك ما سمع منه، فقال: ابن مَن أنت يا غلام؟ قال: ابن نَفْسي يا أميرَ المؤمنين التي نِلت بها هذا المَقعد منك؛ قال: صدقتَ. وقال النبي عليه الصلاةُ والسلام: حَسَب الرجل مالُه وكَرمُه دِينه. وقال عُمر بن الخطَّاب: إن كان لك مالٌ فلك حَسَب، وإِن كان لك دِين فلك كَرَم. وما رأيتُ أعجبَ من ابن قُتيبة في كتاب تَفْضِيل العَرِب، إنه ذَهب فيه كُلّ مَذهب من فَضائل العرب، ثم ختم كتابه بمَذْهب الشُّعوبية، فنقَض في آخره كل ما بَنى في أوًله، فقال؛ آخر كلامه: وأعدلُ القول عندي إنَّ الناس كلّهم لأب وأمّ، خُلِقوا من تُراب، وأعيدوا إلى التراب، وجَرَوْا في مَجْرى البَوْل، وطُوُوا على الأقْذاء، فهذا نَسبهُم الأعلى الذي يُردْع به أهلُ العُقول عن التّعظم والكِبْرياء والفَخر بالآباء، ثم إلى الله مَرْجعهم فَتَنْقطع الأنساب؛ وتَبْطًل الأحْساب، إلاّ من كان حَسبُه التَّقوى، أو كانت ماتّتة طاعةَ الله قالت الشُعوبية: إنما كانت العَرب في الجاهليَّة يَنْكح بعضُهم نِساء بعض في غاراتهم بلا عَقْدِ نكاح ولا اسْتِبراء من طَمْث، فكيف يَدْري أحدُهم مَن أَبوه، وقد فَخَر الفرزدقُ ببني ضبَّة وأنهم يَبتزُّون العِيال في حُروبهم في سَبيَّة سَبَوْها من بني عامر بن صَعْصعة:

فَظَلّت وظلُّوا يَرْكبون هَبِيرَها ... وليس لهم إلاَّ عوالِيهم سِتْرُ

والهَبِير: المُطمئن من الأرض، وإنما أرادها هنا فَرْجها، وهو القائل في بَعْض ما يَفْخر به:

ومنّا التَّميِميّ الذي قام أيرُه ... ثلاثن يوماً ثم قد زادَها عَشرا

باب المتعصبين للعرب

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا