فلمَّا كان العشي راحُوا إليه، فخَرج إليهم وقد لبِس سلاحه، فلما رأى ذلك نَجْدةُ، قال: هذا خُروج منا بذلكم، فجلس على رَفَع من الأرض، فحمد اللّه، وأثنى عليه، وصلىّ على نبيّه، ثم ذكراً أبا بكر وعُمر أحسنَ ذِكْر، ثم ذكر عُثمان في السِّنين الأوائل من خِلافته، ثم وصلهنّ بالسّنين التي أنكروا سِيرتَه فيها فجعلها كالماضية؛ وأخبر أنه آوى الحَكَم بن أبي العاصي بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذَكر الحِمَى ومما كان فيه من الصَّلاح، وأن القومَ آستعتبوه " من أمور " ما كان له أن يَفعلها؟ أوّلاً مصيِبِا، ثم أعتبهم بعد ذلك مُحسناً، وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه بعد أن ضمِن لهم العُتْبى، ثم كُتب ذلك الكتابُ بقَتْلهم، فدَفعوا الكتابَ إليه، فَحَلف باللّه أنه لم يكتبه ولم يأْمر به، وقد أَمر الله عزّ وجلّ بقبول اليمين ممَّن ليس له مثل سابقته، مع ما اجتَمع له من صِهْر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه " من " الإمامة، وأنّ بَيعة الرِّضوان تحت الشجرة إنما كانت بِسبَبه، وعثمان الرجل الذي لَزِمَتْه يمينٌ لو حَلَف عليها لَحَلَف على حقّ، فافتَدَاها بمائة ألف ولم يَحْلِف؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع: " مَن حَلَف باللّه فلْيَصدُق ومن حُلِف له باللّه فليقْبل " . وعُثمان أمير المؤمنين " كصاحبيه " وأنا وليّ وليّه، وعدوّ عدوّه، وأبي وصاحبه صاحبَا رسول الله صلى الله عليه وسلم، " ورسول الله " يقول " عن اللّه " عزّ وجلّ يومَ أُحد لما قُطعت إصْبع طَلْحَة: " سَبَقته إلى الجنة " . وقال: " أوْجب طلحة " . وكان الصِّديق إذا ذُكر يومَ أُحد قال: ذلك يوم كلّه " أو جُلّه " لطلحة. والزُّبير حواريَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصَفْوته، وقد ذكر أنه في الجنّة، وقال عزّ وجلّ: " لَقَدْ رَضيَ الله عَنِ المؤمنينَ إذْ يُبَايعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة " . وما أخبرَنا بعدُ أنه سَخِط عليهم؟ وإن يكن ما صَنعوا حقًّا فأهل ذلك هم، وإن يكن زلّة ففي عَفو الله تَمحِيصُها، وفيما وَفَّقهم له من السابقة مع نبيّهم صلى الله عليه وسلم ومهما ذَكَرتموهما به، فقد بَدَأْتم بأًمِّكم عائشة، فإن أبَى آبٍ أن تكون له أمًّا، نَبَذ اسم الإيمان عنه، وقد قال جلّ ذِكْره: " النَّبِيُّ أَوْلَى باْلمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ " . فنظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا عنه.
وكتب بعد ذلك نافعُ بن الأزرق إلى عبد الله بن الزُّبير يَدْعوه إلى أمره: أمّا بعد، فإني أحذِّرك من الله يومَ تَجد كلُّ نفس ما عَمِلَت من خَيْر مُحْضَرًا، وما عَمِلَت من سُوء توَدّ لو أنّ بينها وبَينه أَمدًا بعيداً، " ويُحَذِّركم الله نفسه " . فاتّق الله ربَّك ولا تَتَوَلّ الظالمين فإنّ الله يقول: " وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ " . وقال: لا يَتَّخِذ المُؤْمِنون الكافِرِينَ أوْليَاءَ مِنْ دونِ المُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْس مِنَ الله في شيَء " . وقد حضرتُ عثمانَ يومَ قُتِل، فَلَعمري لئن كان قُتل مظلومًا لقد كفر قاتلوه وخاذِلُوه، وإن كان قاتلوه مُهْتدين، وإنهم لمُهْتدون، لقد كفَر مَن تولاّه ونصرَه. ولقد علمتَ أنّ أباك وطَلْحة وعليّاً كانوا أشدَّ الناس عليه، وكانوا في أمره بين قاتل وخاذِل، وأنت تتولى أباك وطلحة وعثمان، فكيف ولاية قاتل مُتَعَمِّد ومَقتول في دين واحد، ولقد ملك علىّ بعده فَنَفي الشُّبهات، وأقام الحُدود، وأَجْرى الأحكام مجاريها، وأَعطى الأمور حقّها فيما عليه وله، فبايَعه أبوك وطَلْحة، ثم خَلعا بَيْعته ظالمين له، وإن القَول فيك وفيهما لكما قال ابنُ عباس رحمه الله: إن يكُن علِيّ في وقت مَعْصِيتكم ومُحاربتكم له كان مؤمنَاَ لقد كفَرتم بقتال المؤمنين وائمة العَدْل، وإن كان كافراً كما زَعمتم، وفي الحُكم جائراً، فقد بُؤْتم بغضب من الله لفراركم من الزَّحف. ولقد كنتَ له عدوًّا، ولسيرته عائباً، فكيف توليته بعد مَوته.