قيل للأحنف بن قيس: ممنِ تعلَّمت الحِلْم؟ قال: من قيس بن عاصم المِنْقريّ، رأيتهُ قاعداً بفِناء داره مُحْتبياَ بحمائل سَيْفه يُحَدِّث قَومه؟ حتى أُتي برجُل مكتوف ورجُل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قَتل ابنك؟ فواللّه ما حَل حَبْوته، ولا قطَع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه فقال له: يا بن أخي، أَثِمت برّبك، ورَمَيت نفسَك بسَهْمك، وقتلتَ ابن عمك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوارِ أخاك، وحُلّ كِتاف ابن عمك، وسُق إلى أُمِّه مائة ناقة ديةَ ابنها فإنها غَريبة، ثم أنشأ يقول:
إِنِّي امرؤ لا شائنٌ حَسَبي ... دَنَس يهجنه ولا أفْنُ
من مِنْقرٍ في بيت مكْرُمة ... والغُصن يَنْبُت حولَه الغُصْن
خطباء حي يقول قائلُهم ... بيضُ الوُجوه أعفّه لُسْن
لا يفطنون لعَيْب جارهمُ ... وهمُ لحفْظ جِواره فُطْنُ
وقال رجل للأحنف بن قَيْس: علِّمني الْحِلم يا أبا بَحْر، قال: هو الذُّل يا بن أَخي، أَفتصبر عليه؟ وقال الأحنف: لستُ حليماً ولكنّي أتحالم.
وقيل " له " : مَن أَحلمُ: أنت أم معاوية؟ قال: تا للّه ما رأيتُ أجهلَ منكم، إنّ معاويةَ يَقْدِر فيَحْلُم، وأنا أَحلُم ولا أقدِر، فكيف أُقاس عليه أو أُدانيه! وقال هشامُ بن عبد الملك لخالد بنِ صَفْوان: بم بلغ فيكم الأحنفُ ما بلَغ؟ قال: إن شئتَ أخبرتُك بخَلَّة، وإن شئت بخَلَّتين، وإن شئت بثلاث قال: فما الخَلَّة؟ قال: كان أَقوى الناس على نفسه قال: فما الخلتان؟ قال: كان مُوَقّي الشر مُلَقّي الخَيْر؟ قال: فما الثلاث؟ قال: كان لا يجهل ولا يبْغي ولا يَبْخل.
وقيل لقَيْس بن عاصم: ما الْحِلم؟ قال: أن تَصِل مَن قطَعك، وتُعْطي مَن حرَمَك، وتعفو عَمَّن ظلَمك.
وقالوا: ما قرن شيء إلى شيء أَزينُ من حِلْم إلى عِلْم، ومن عَفْو إلى قُدْرة.
وقال لُقمانُ الحكيم: ثلاثة لا تَعْرفهم إلا في ثلاثة: لا تعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحَرْب، ولا تَعْرف أخاك إلا إذا احتجت إليه.
وقال الشاعر:
ليْست الأحلامُ في حي الرِّضا ... إنما الأحلامُ في حين الغَضَبْ
وفي الحديث. أقرب ما يكون المَرْء من غَضَب الله إذا غَضِب.
وقال الحسن: المؤْمن حَليم لا يَجهل وإن جُهل عليه، وتلا قولَ الله عز وجلَّ: " وَإذَا خاطَبَهُمْ الجاهلونَ قَالُوا سَلاماً " .
وقال معاوية: إني لأستحي من ربيِّ أن يكون ذَنْبٌ أعظمَ من عفوي، أو جَهْل أكبرَ من حِلْمي، أو عوْرة لا أُواريها بسَتري.
وقال مُؤَرِّق العِجْليّ: ما تكلّمت في الغَضب بكلمة ندمتُ عليها في الرِّضا. وقال يزيدُ بن أبي حَبيب: إنما غَضَبي في نَعْليّ، فإذا سمعت ما أكره أخذتُهما ومَضيت.
وقالوا: إذا غَضِب الرجلُ فَلْيَسْتَلق على قفاه، وإذا عَيِيَ فَليرَاوح بين رِجْلَيْهِ.
وقيل للأحنف: ما الحِلْم؟ فقال: قوْل إن لم يكنِ فعل، وصَمْت إن ضَرَّ قوْل.
وقال " أمير المؤمنين " علِيٌ بن أبي طالب رضي الله عنه: مَن لانَتْ كلمته، وجبت مَحبَّتهُ.
وقال: حِلْمك على السًفيه يكثر أنصارك عليه.
وقال الأحنف: مَن لم يصبر على كلمة سَمِع كلمات.
وقال: رب غَيْظ تجرعته مخافةَ ما هو أشدُّ منه، وأنشد:
رَضيتُ بِبَعْض الذُّلِّ خوفَ جميعه ... كذلك بعضُ الشر أهونُ من بَعْض
وأسمع رجلٌ عمر بن عبد العَزيز بعضَ ما يَكْره، فقال؛ لا عليك، إنّما أردتَ أن يَسْتِفزَّني الشيطانُ بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تنالُه مني غداً، انصرفْ إذا شئت.
وقال الشاعرُ في هذا المعنى:
لَنْ يًدْرِك المجدَ أقوامٌ وإن كَرُموِا ... حتى يَذِلُوا وإن عَزُوا لأقوام
ويُشْتَموا فترَى الألوانَ كَاسفةَ ... لا ذلَ عَجْزٍ ولكنْ ذُلِّ أحْلام
ولآخر:
إذا قِيلت العوراءُ أغضى كأنّه ... ذَلِيل بلا ذُلِّ ولو شاء لانتصرْ
وأحسن بيْت في الحِلْم قولُ كَعْب بنِ زُهير:
إذا أنت لم تُعْرِض عن الجهل والخَنَى ... أصبتَ حَليماً أو أصابك جاهلُ
وقال الأحنفُ آفةُ الحِلْم الذّلّ.
وقال؛ لا حِلْم لمَن لا سَفِيه له.
وقال: ما قلَّ سُفهاء قَوْم إلا ذَلْوا. وأنشد: