قال: فلما سمعت مقالها نهضت فقالت: عزمت؟ قلت: إي والله. فقالت: مصاحباً، عليك بستر ما كنت فيه، فإن المجالس بالأمانة. فقلت: جعلت فداك، أو أحتاج إلى وصية في ذلك؟ فودعتها، وودعتني، وقالت: يا جارية، بين يديه. فأتي بي باب في ناحية الدار، ففتح لي وخرجت منه إلى طريق مختصرة، وبادرت البيت، فصليت الصبح ووضعت رأسي، فما انتبهت إلا برسل الخليفة على الباب، فقمت وقد أسرج لي، فركبت إلى الدار، فسرت إليه فلما مثلت بين يدي المأمون، قال لي: يا إسحاق، جفوناك ما كنا ضمناه لك، وتشاغلنا عنك. فقلت: يا سيدي، ليس شيء آثر عندي ولا أسر إلا قلبي من سرور يدخل على أمير المؤمنين، فإذا كمل سروره وطاب عيشه، فعيشنا طيب وسرورنا بسروره متصل. ثم قال: ما كانت حالك؟ قلت: يا سيدي، كنت قد اشتريت صبية من السوق، وكنت معلق القلب بها، فلما تشاغل أمير المؤمنين أطال الله بقاء، وخلوت وقد كانت في بقية، طالبتني نفسي بها، فمضيت مسرعاً فأحضرتها وأحضرت نبيذاً، فسقيتها وشربت معها، وغلب علي السكر، فقطعني عما أردت، وذهب بي النوم إلى أن أصبحت. فقال: لي: ما أكثر ما يتهيأ على الناس من هذا، فهل لك في مثل ما كنا فيه أمس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، وهل أحد يمتنع من ذلك؟ قال: فإذا شئت. فنهض ونهضت، فصرنا إلى المجلس الذي كنا فيه بالأمس، على مثل حالنا تلك وأفضل، حتى إذا كان في الوقت وثب قائماً، فقال: يا إسحاق، لا ترم فإني أجيئك، وقد عزمت على الصبحة، فما هو إلا أن توارى عني حتى ضرب بي، وتأملت ما كنت فيه فإذا هو شيء لا يصبر عنه غلا جاهل ولو بزوال نعمته. قال: فنهضت فقال لي الغلمان: الله الله، فإن البارحة قد أنكر علينا نخليتك، وطالبنا بك، وقال: لم تركتموه؟ ولا نحسبك إلا تحب الإيقاع بنا. فقلت: والله لا نال أحدكم بسببي مكروه أبداً، ولكن أبادر الحاجة، والله لا كان لي حبس ولا لبث، وأمير المؤمنين أطال الله بقاءه إذا دخل أبطأ، وأنا موافيكم قبل خروجه إن شاء الله. قال: فنهضت، فما شعرت إلا وأنا في الزقاق، فوافيت الزنبيل على ما كان عليه، فقعدت فيه، وصعدت، وصرت إلى الموضع الذي أعرف، فلم ألبث إلا هنيهة وإذا بها قد طلعت، فقالت: ضيفنا؟ قلت: إي والله. قالت: أو قد عاودت؟ قلت: نعم، ولا أظن إلاأني قد ثقلت. فقالت: مادح نفسه يقرئك السلام. فقلت: هفوة، فمني بالصفح. قالت: قد فعلنا فلا تعد. قلت: إن شاء الله. قال: ثم جلسنا وأخذنا فيما كنا فيه من المذاكرة والإنشاد وأحضرنا النبيذ، ولم نزل على تلك الحال وأفضل، وقد أنست وانبسطت بعض الانبساط، وهي مع ذلك لا تزال تقول لي: أوه، لو كنت الآن على ما أنت عليه وأحكمت من تلك الصنعة شيئاً، لقد تناهيت وبرعت. فقلت: والله لقد حرصت على ذلك وجهدت فيه فما رزقته، ولا قدرت عليه. ثم قلت: يا جعلت فداك، لا تخلينا مما كان من فضلك البارحة، لا تخلينا منه. فتأخذ في الأغاني، وكلما مر صوت حسن طيب وجيد بالغ قالت: يا فتى، أتدري لمن هذا؟ فأقول: لا. فتقول: لإسحاق. فأقول وإسحاق هكذا جعلت فداك في الحذق؟ فتقول: بخ، إسحاق تاريخ هذا الشأن بديع الصوت، وعتيق الغناء! فأقول: سبحانك الله، لقد أعطى إسحاق ما لم يعطه أحد. فتقول: ولو سمعت هذا منه لكنت أشد استحساناً له، وبه أشد كلفاً. حتى إذا كان الوقت، وجاءت العجوز نهضت وودعتها، وبادرت بين يدي جارية ففتحت الباب، فخرجت منه. وبادرت المنزل، فتوضأت للصلاة وصليت الصبح، ووضعت رأسي فنمت، فما انتبهت إلا برسل الخليفة يطلبونني، فقمت وقد أسرج لي فركبت إلى الدار، فما هو إلا أن مثلت بين يدي المأمون حتى قال: يا إسحاق أبيت إلا مكافأة لنا، ومعاملة بمثل ما استعملناه معك! قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، ما إلى ذلك ذهبت، ولا إليه قصدت، ولكني ظننت أن يكون أمير المؤمنين قد تشاغل عني بلذته، وأغفل أمري. وجاءني الشيطان فأذكرني أمر الجارية فبادرت إلى البيت. قال: وكان من أمرك ماذا؟ قلت: قضيت الحاجة. وفرغ الأمر. فقال: قد انقضى ما كان بقلبك منها، وواحدة بواحدة، والبادي أظلم. فقلت: بل أنا يا أمير المؤمنين ألوم وأظلم، وإليك المعذرة. فقال: لا تثريب عليك، هل لك في مثل حالنا الأول؟ قلت: إي والله. قال: فانهض بنا. وقام وقمت، حتى إذا صرنا إلى الموضع الذي كنا فيه أخذنا في لذتنا وشربنا، حتى إذا كان في الوقت قال لي: يا
The Unique Necklace
المضحكاتOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.