فقال لهما: قد أحسنتما وأجدتما، وما لواحدة منكما فضيلة على صاحبتها، ولكني أبيت بينكما.
أخبرنا أبو الطيب الكاتب أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان ليلة بين جاريتين. مدنية وكوفية، فجعلت الكوفية تغمز يديه، والمدنية تغمز رجليه، فجعلت المدنية ترتفع إلى فخذيه حتى ضربت بيدها إلى متاعه، وحركته حتى أنعظ، فقالت لها الكوفية: ويحك نحن شركاؤك في البضاعة، وأراك قد انفردت دوننا برأس المال وجدك، فأديليني منه. قال: فقالت المدنية: حدثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال " من أحيا مواتاً فهو له ولعقبه " . قال: فاستغلتها الكوفية ودفعتها، ثم أخذته بيديها جميعاً، وقالت: حدثنا الأعمش عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: " الصيد لمن صاده لا لمن أثاره " .
أخبرنا الأنطاكي أن المتوكل على الله طلب من محمود الوراق جارية مغنية، وأعطاه بها عشرة آلاف دينار فأبى، فلما مات محمود اشتراها في ميراثه بخمس آلاف، وقال لها: كنا قد أعطينا مولاك بك عشرة آلاف، وقد اشتريناك من ميراثه بخمسة آلاف. قالت: يا أمير المؤمنين، إذا كانت الخلفاء تتربص بلذاتها المواريث فسنشتري بأرخص مما اشتريت.
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: لاعب هارون الرشيد جارية من جواريه على إمرة مطاعة، فقمرته فقال لها: تمني. قالت: تقوم فتقطع فرداً. فقام فقضى فيها وطره، ثم لاعبها فقمرته فقال لها: تمني. قالت: تقوم فنقطع فرداً. فقام فقضى فيها طره، ثم لاعبها فقمرته فقال لها: تمنى. قالت: تقوم فتقطع فرداً. فقام فقضى فيها وطره، ثم لاعبها فقمرته فقال: تمني. فقالت: المعادوة. فغشيها، ثم لاعبته فقمرته، فقالت: قم لميعادك. فقال: لا أقدر على ذلك. قالت: فاكتب لي به عليك كتاباً آخذك به مت شئت. قال: ذلك لك. فدعت بدواة وقرطاس وكتبت: " هذا كتاب فلانة على مولاها أمير المؤمنين: إن لي عليك فرضاً آخذه متى شئت وأنى شئت من ليل أو نهار " . وكان رأسها وصيفة لها، فقالت: تزيدي يا سيدتي في الكتاب، فإنك لا تأمنين الحدثان، ومن قام له بهذا الذكر حق فهو ولي ما فيه. فضحك الرشيد حتى استلقى على فراشه، واستطرفها، وأمر أن تنزل مقصورة، وأن يجرى لها رزق سني، وشغف بها. ويقال: إنها " مراجل " أم المأمون.
تنفس محمد بن هارون الأمين يوماً في مجلسه أيام الحصار، فالتفت إلى جليس له، وهو محمد بن سلام صاحب المظالم، فقال له: ويحك يا محمد، أتدري؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول الشاعر:
ذكر الهوى فتنفس المشتاق ... وبدا عليه الذل والإطراق
يا من يصبرني لأصبر بعده ... الصبر ليس يطيقه العشاق
فقال: لا والله ما نكأتها. ثم التفت إلى جليس له آخر، فقال له: ويحك أتدري؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ذكرت قول ابن الأحنف:
تذكرت بالريحان منك شمائلاً ... وبالراح عذباً من مقبلك العذب
فقال: لا والله ما نكأتها، ثم التفت إلى كوثر الخادم، فقال له: ويحك! أتدري؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ابن نفيلة الغساني:
إن كان دهر بني ساسان فرقهم ... فإنما الدهر أطوار دهارير
وربما أصبحوا يوماً بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير
قال: صدقت.
وكتبت جارية إلى علي بن الجهم رقعة، فأجاب فيها:
ما رقعة جاءتك مكتوبة ... كأنها خد على خد
تبدو سواداً في بياض كما ... ذو فتيت المسك في الورد
ساهمة الأسطر مصروفة ... عن جهة الهزل إلى الجد
يا كاتباً أسلمني عتبه ... إليه حسبي منك ما عندي
وكتبت أيضاً:
قلب يمل على لسان ناطق ... ويد تخط رسالة من عاشق
مزج المداد بعبرة شهدت له ... من كل جارحة بحب صادق
فيمينه تحت الوساد وخده ... ويساره فوق الفؤاد الخافق
أهدت جارية من جواري المهدي تفاحة إلى المهدي وطيبتها. وكتبت فيها:
هدية مني إلى المهدي ... تفاحة تقطف من خدي
محمرة مصفرة طيبت ... كأنها من جنة الخلد
فأجاب المهدي:
تفاحة من عند تفاحة ... جاءت فماذا صنعت بالفؤاد
والله ما أدري أأبصرتها ... يقظان أم أبصرتها في الرقاد