وتشبهت بي وكنت أرى أن ... ي أنا الهائم المتيم وحدي
أترك القصد في الأمور ولولا ... غمرات الصبا لأبصرت قصدي
سيدي سيدي ومولاي ومن أل ... بسني ذلك وأضرع خدي
لا أحب الذي يلوم وإن كا ... ن حريصاً على صلاحي ورشدي
وأحب الأخ المشارك في الحب ... وإن لم يكن به مثل وجدي
كصديقي أبى علي وحاشى ... لصديقي من مثل شقوة جدي
إن مولاي عبد غيري ولولا ... شؤم جدي لكان مولاي عبدي
فلما التقى ابن الزيات الوزير وكاتبه الحسن بن وهب في بيت الديوان تداعبا في ذلك، وسأله ابن الزيات أن يتجافى له عنه، فقال له الحسن: طاعتك واجبة في المحبوب والمكروه، لكن الرئيس أدام الله عزه كان أولى بالتفضيل. فقال له ابن الزيات: هيهات، هذه علة نفسانية تؤدي إلى التلف، فتنح عن نصيبك مني. فقال الحسن: إن كان هذا هكذا سمعنا وأطعنا. وأنشد:
شهيدي على ما في فؤادي من هوى ... دموع تباري المستهل من القطر
وأسلمني من كان بالأمس مسعدي ... وصار الهوى عوناً علي مع الدهر
قال علي بن الجهم: دخلت يوماً على المتوكل، فقال لي، يا علي. قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: دخلت الساعة على قبيحة، وقد كتبت بالمسك في خدها اسمي، فوالله ما رأيت سواداً في بياض أحسن منه في ذلك الخد، فقل فيه شعراً.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أمظلومة معي؟ قال: نعم، ومظلومة خلف ستارة، فدعت بدواة وبدرت بالقول، فقالت:
وكاتبة بالمسك في الخد جعفرا ... بنفسي خط المسك من حيث أثرا
لئن أودعت سطراً من المسك خدها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا
فيا من لمملوك تملك مالكاً ... مطيعاً له فيما أسر وأظهرا
ويا من مناها في السرائر جعفر ... سقى الله من صوب الغمامة جعفرا
قال: فأفحمت فلم أنطق، وتغلبت علي خواطري فما قدرت على حرف أقوله، وضحك أمير المؤمنين.
الأصمعي قال: دخلت على هارون الرشيد، وبين يديه جارية حسناء، عليها لمة جعدة، وذؤابة تضرب الحقو منها، وهلال بين عينيها مكتوب عليه بالذهب: " هذا ما عمل في طراز الله " . فقال: يا أصمعي، صفها. فأنشأت أقول:
كنانية الأطراف سعيدة الحشا ... هلالية العينين طائية الفم
لها حكم لقمان وصورة يوسف ... ونغمة داود وعفة مريم
فقال: أحسنت والله يا أصمعي. فعل عرفت اسمها؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين. فقال: اسمها دنيا. قال: فأطرق ساعة ثم قلت:
إن دنيا هي التي ... تسحر العين سافره
ظلموها شطر اسمها ... فهي دنيا وآخره
قال الأصمعي: فأمر لي بعشرة آلاف درهم.
إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: دخلت على الرشيد، وعنده جارية قد أهديت إليه، ماجنة شاعرة أديبة، وبين يديه طبق فيه ورد، فقال: يا إسحاق، أما ترى، ما أحسن هذا الورد ونضرة لونه! قلت: بك والله حسن ذلك يا أمير المؤمنين. فقال: قل فيه بيتاً يشبهه. فأطرق ساعة، ثم قلت:
كأنه خد موموق يقبله ... فم الحبيب وقد أبدى به خجلا
فاعترضتني الجارية فقالت:
كأنه لون خدي حين تدفعني ... كف الرشيد لأمر يوجب الغسلا
فقال الرشيد: قم يا إسحاق، فقد حركتني هذه الفاسقة.
وحدثنا أيضاً قول: كان هارون الرشيد جالساً بين جاريتين من جواريه، فقال لهما: من يبيت عندي هذه الليلة منكما؟ فقالت إحداهما: أنا. فقالت الأخرى: لا، بل أنا. فقال للأولى: ما حجتك فيما ادعيت؟ فقالت: قول الله يا أمير المؤمنين: " والسابقون السابقون. أولئك المقربون " . ثم قال للثانية: وما حجتك أنت؟ قالت: قول الله: " وللآخرة خير لك من الأولى " . فقال: لتقل كل واحدة منكما شعراً في الغزل، فمن كانت أرق شعراً باتت عندي. فقالت الأولى:
أنا التي أمشي كما يمشي الوجي ... يكاد أن يصرعني تغنجي
من جنة الفردوس كان مخرجي
وقالت الأخرى:
أنا التي لم ير مثلي بشر ... كلامي اللؤلؤ حين ينثر
أسحر من شئت ولست أسحر ... لو سمع الناس كلامي كفروا