وكتب بعض الكتاب إلى مدام، جارية المازني، وبعث إليها بقنين من مدام:
قل لمن يملك الملو ... ك وإن كان قد ملك
قد شربناك مرة ... وبعثنا إليك بك
وقال علي بن الجهم: دخلت على أبي عثمان المازني، وعنده جارية له كأنها شقة قمر، وبيدها تفاحة معضوضة، فقالت: عرفت ما أراد الشاعر بقوله:
خبريني من الرسول إليك ... واجعليه من لا ينم عليك
قلت: ما أعرفه. قالت: هو هذه، ورمت إلي بالتفاحة، فوالله ما وجدت لها جواباً من نظير كلامها.
وقال شيخ من أهل البصرة: لقيت الحسن بن وهب، فأردت أن أمتحن سلامة طبعه، ومعي تفاحة، فأريته إياها وسألته أن يصفها، فقال لي: نحن على الطريق، ولكن مل إلى المسجد. فملنا إليه، فأخذها وقلبها بيده شيئاً، وقال:
يا رب تفاحة خلوت بها ... تشعل نار الهوى على كبدي
قد بت في ليلتي أقلبها ... أشكو إليها طاول الكمد
لو أن تفاحة بكت لبكت ... من رحمة هذه التي بيدي
وعد المأمون جارية أن يبيت عندها، وأخلفها الوعد، فكتبت إليه:
أرقت عيني ونامت ... عين من هنت عليه
إن نفسي فاعذرنها ... أصبحت في راحتيه
رحم الله رحيماً ... دل عيني عليه
فلما قرأ رقعتها ضحك، ولم يبت ليلته إلا عندها.
عتب المأمون على جارية من جواريه، وكان كلفاً بها فأعرض عنها، وأعرضت عنه، ثم أسلمه العزاء، وأقلقه الشوق، حتى أرسل يطلب مراجعتها وأبطأ عليه الرسول فلما رجع إليه أنشأ يقول:
بعثتك مرتاداً ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا
وناجيت من أهوى وكنت مقرباً ... فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى
ونزهت طرفاً في محاسن وجهها ... ومتعت باستظراف نغمتها أذنا
أرى أثراً منها بعينيك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من وجهها حسنا
ثم إن المأمون أقبل مسترضياً لها فسلم عليها، فلم ترد عليه، وكلمها فلم تجبه، فأنشأ يقول:
تكلم ليس يوجعك الكلام ... ولا يؤذي محاسنك السلام
أنا المأمون والملك الهمام ... ولكني بحبك مستهام
يحق عليك ألا تقتلني ... فيبقى الناس ليس لهم إمام
كتبت امرأة عمر بن عبد العزيز إلى عمر، لما اشتغل عنها بالعبادة:
ألا أيها الملك الذي قد ... سبى عقلي وهام به فؤادي
أراك وسعت كل الناس عدلاً ... وجرت علي من بين العباد
وأعطيت الرعية كل فضل ... وما أعطيتني غير السهاد
فصرف وجهه إليها.
وقعد الرشيد يوماً عند زبيدة، وعندها جواريها، فنظر إلى جارية واقفة عند رأسها فأشار إليها أن تقبله، فاعتلت بشفتيها، فدعا بدواة وقرطاس فوقع فيه:
قبلته من بعيد ... فاعتل من شفتيه
ثم ناولها القرطاس فوقعت فيه:
فما برحت مكاني ... حتى وثبت عليه
فلما قرأ ما كتبت استوهبها من زبيدة، فوهبتها له. فمضى بها وأقام معها أسبوعاً لا يدري مكانهما، فكتبت إليه زبيدة:
وعاشق صب بمعشوقه ... كأنما قلباهما قلب
روحاهما روح ونفساهما ... نفس، كذا فليكن الحب
حدث أبو جعفر قال: بينا محمد بن زبيدة الأمين يطوف في قصر له، إذ مر بجارية له سكرى، وعليها كساء خز تسحب أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا على حال ما ترى، ولكن إذا كان من غد إن شاء الله. فلما كان من الغد مضى إليها، فقال لها: الوعد. فقالت له: يا أمير المؤمنين: أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار؟ فضحك، وخرج إلى مجلسه، فقال: من بالباب من شعراء الكوفة؟ فقيل له: مصعب والرقاشي وأبو نواس. فأمر بهم فأدخلوا عليه، فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل كل واحد منكم شعراً يكون آخره:
كلام الليل يمحوه النهار
فأنشأ الرقاشي يقول:
متى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صباً مستهاماً ... فتاة لا تزور ولا تزار
إذا استنجزت منها الوعد قالت ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال مصعب: