FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة عبد الله المأمون

Original text Public domain

Read with the dictionary

كان الفضل سخياً كريماً يجاري البرامكة في جوده، شديد العقوبة سهل الانعطاف، حليماً بليغاً عالماً بآداب الملوك بصيراً بالحيل جيد الحدس محصلاً للأموال، وكان يقال له الوزير الأمير.

كان مسلم بن الوليد الشاعر نديماً للفضل بن سهل قبل وزارته، وكان قد أنشد قوله:

وقائل: ليست له همة، ... كلاً ولكن ليس لي مال

لا جدة ينهض عزمي بها ... والناس سؤال وبخال

فاصبر على الدهر إلى دولة ... يرفع فيها حالك الحال

فلما علت حال الفضل وتولى الوزارة قصده مسلم بن الوليد، فلما رآه سر به وقال له: هذه الدولة التي يرفع فيها حالك الحال، وأمر له بثلاثين ألف درهم وولاه بريد جرجان، فاستفاد من ثم مالاً طائلاً.

قالوا: كانت همة ذي الرياستين عالية جداً من قبل أن يعظم أمره. قال له مؤدب المأمون يوماً في أيام الرشيد: إن المأمون لجميل الرأي فيك، وإني لا أستبعد أن يحصل من جهته ألف ألف درهم. فاغتاظ الفضل من ذلك وقال له: ألك علي حقد؟ ألي إليك إساءة؟ فقال له المؤدب: لا؟ والله ما قلت هذا إلا محبة لك. فقال: أتقول لي إنك تحصل معه ألف ألف درهم؟ والله ما صحبته لأكتسب منه مالاً قل أو جل، ولكن صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق والغرب. قال: فوالله ما طالت المدة حتى بلغ ما أمل.

وقتل الفضل بن سهل على الصورة التي تقدم شرحها، وذلك في سنة اثنتين ومائتين، وفيه يقول الشاعر:

لفضل بن سهلٍ يد ... يقصر عنها المثل

فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل

وبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل

وزارة أخيه الحسن بن سهل: استوزره المأمون بعد أخيه الفضل ومال إليه وتلافاه جبراً لمصابه بقتل أخيه، وتزوج ابنته بوران، وانحدر في أهله وأصحابه وعساكره وأمرائه إلى فم الصلح بواسط، فقام الحسن بن سهل في إنزالهم قياماً عظيماً، وبذل من الأموال ونثر من الدرر ما يفوت حد الكثرة، حتى إنه عمل بطاطيخ من عنبر وجعل في وسط كل واحدة منها رقعة بضيعة من ضياعه ونثرها، فمن وقعت في يده بطيخة منها فتحها وتسلم الضيعة التي فيها. وكانت دعوةً عظيمةً تتجاوز حد التجمل والكثرة، حتى إن المأمون نسبه في ذلك إلى السرف. وقالوا: جملة ما أخرج على دعوة فم الصلح خمسون ألف ألف درهم.

كان الحسن بن سهل قد فرش للمأمون حصيراً منسوجاً من الذهب ونثر عليه ألف لؤلؤة من كبار اللؤلؤ، فلما رآه المأمون قال: قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث يقول:

كأنه صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء درٍ على أرضٍ من الذهب

قالوا: قدم رجل إلى باب الحسن بن سهل يلتمس صلته وعارفته فاشتغل عنه مديدة، فكتب إليه:

المال والعقل مما يستعان به ... على المقام بأبواب السلاطين

وأنت تعلم أني منهما عطل ... إذا تأملتني يا ابن الدهاقين

أما تدلك أثوابي على عدمي ... والوجه أني رئيس في المجانين

والله يعلم ما للملك من رجلٍ ... سواك يصلح للدنيا وللدين

فأمر له بعشرة آلاف درهم ووقع في رقعته:

أعجلتنا فأتاك عاجل برنا ... قلاً، ولو أنظرتنا لم يقلل

فخذ القليل وكن كأنك لم تسل ... ونكون نحن كأننا لم نسأل

وكان الحسن بن سهل أعظم الناس منزلة عند المأمون. وكان المأمون شديد المحبة لمفاوضته، فكان إذا حضر عند طاوله في الحديث، وكلما أراد الانصراف منعه، فانقطع زمان الحسن بذلك وثقلت عليه الملازمة، فصار يتراخى عن الحضور بمجلس المأمون ويستخلف أحد كتابه كأحمد بن أبي خالد وأحمد بن يوسف وغيرهما. ثم عرضت له سوداء كان أصلها جزعه على أخيه، فانقطع بداره ليتطبب، واحتجب عن الناس، إلا أنه أعلى الخلق مكانة. واستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد، فكان أحمد في كل وقت يقصد خدمة الحسن بن سهل، وإذا حضر الحسن دار المأمون كان أعلى الناس مكانةً، ولما انقطع الحسن بن سهل بمنزله هجاه بعض الشعراء بقوله:

تولت دولة الحسن بن سهلٍ ... ولم أبلل لهاتي من نداها

فلا تجزع على ما فات منها، ... وأبكى الله عيني من بكاها

ومات الحسن بن سهل في سنة ست وثلاثين ومائتين في أيام المتوكل.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account