FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة هارون الرشيد

Original text Public domain

Read with the dictionary

فلما كان من الغد بكر إلى الفضل ليشكره على ذلكب، فوجده قد بكر إلى دار الرشيد، فمضى محمد إلى دار الرشيد. فلما علم الفضل به خرج من باب آخر ومضى إلى دار أبيه، فمضى محمد إليه فحين علم به خرج بباب آخر ومضى إلى منزله، فمضى محمد إليه واجتمع به وشكره على فعله، وقال له: إني بكرت إليك لأشكرك على إحسانك. فقال له الفضل: إني فكرت في أمرك فرأيت أن هذه الألف ألف التي حملتها أمس إليك تقضي بها دينك ثم تحتاج فتقترض، فبعد قليل يعلوك مثلها، فبكرت اليوم إلى أمير المؤمنين وعرضت عليه حالك وأخذت لك مائة ألف ألف درهم أخرى، ولما حضرت إلى أمير المؤمنين خرجت أنا بباب آخر، وكذلك فعلت لما حضرت إلى باب أبي لأني ما كنت أوثر أن ألقاك حتى يحمل المال إلى منزلك، وقد حمل.

قال له محمد: بأي شيء أجازيك على هذا الإحسان؟ ما عندي شيء أجازيك به إلا أني ألتزم بالأيمان المؤكدة وبالطلاق والعتاق والحج أني ما أقف على باب غيرك ولا أسأل سواك. قالوا: وحلف محمد أيماناً مؤكدة وكتب بها خطه وأشهد بها عليه أنه لا يقف بباب غير الفضل بن يحيى. فلما ذهبت دولة البرامكة وتولى الفضل بن الربيع الوزارة بعدهم احتاج محمد. فقالوا له: لو ركبت إلى الفضل بن الربيع. فلم يفعل، والتزم باليمين فلم يركب إلى أحد ولم يقف على باب أحد حتى مات.

سيرة جعفر بن يحيى البرمكي: كان جعفر بن يحيى فصيحاً لبيباً ذكياً فطناً كريماً حليماً، وكان الرشيد يأنس به أكثر من أنسه بأخيه الفضل لسهولة أخلاق جعفر وشراسة أخلاق الفضل. قال الرشيد يوماً ليحيى: يا أبي! ما بال الناس يسمون الفضل الوزير الصغير ولا يسمون جعفراً بذلك؟ فقال يحيى: لأن الفضل يخلفني. قال: فضم إلى جعفر أعمالاً كأعمال الفضل. فقال يحيى: إن خدمتك ومنادمتك تشغلانه عن ذلك. فجعل إليه أمر دار الرشيد فسمي بالوزير الصغير أيضاً.

قال الرشيد يوماً ليحيى: قد أحببت أن أنقل ديوان الخاتم من الفضل إلى جعفر وقد استحييت من مكاتبته في هذا المعنى، فاكتب أنت إليه.

فكتب يحيى إلى الفضل: ً قد أمر أمير المؤمنين، أعلى الله أمره، أن تحول الخاتم من يمينك إلى شمالكً. فأجابه الفضل: ً قد سمعت لما أمر به أمير المؤمنين في أخي، وما انتقلت عني نعمة صارت إليه، ولا غربت عني رتبة طلعت عليه ً فقال جعفر: لله در أخي ما أكيس نفسه وأظهر دلائل الفضل عليه وأقوى منة العقل عنده وأوسع في البلاغة ذرعه.

قيل: إن جعفر بن يحيى البرمكي جلس يوماً للشرب وأحب الخلوة فأحضر ندماءه الذين يأنس بهم مجلس معهم، وقد هيء المجلس ولبسوا الثياب المصبغة. وكانوا إذا جلسوا في مجلس الشراب واللهو لبسوا الثياب الحمر والصفر والخضر. ثم إن جعفر بن يحيى تقدم إلى الحاجب ألا يأذن لأحد من خلق الله تعالى سوى رجل من الندماء كان قد تأخر عنهم اسمه الملك بن صالح. ثم جلسوا يشربون ودارت الكاسات وخفقت العيدان.

وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله ابن العباس، وكان شديد الوقار والدين والحشمة، وكان الرشيد قد التمس منه أن ينادمه ويشرب معه، وبذل له على ذلك أموالاً جليلة فلم يفعل، فاتفق أن هذا عبد الملك بن صالح حضر إلى باب جعفر بن يحيى ليخاطبه في حوائج له، فظن الحاجب أنه هو عبد الملك بن صالح الذي تقدم جعفر بن يحيى بالإذن له وألا يدخل غيره، فأذن الحاجب له، فدخل عبد الملك بن صالح العباسي على جعفر ابن يحيى. فلما رآه جعفر كاد عقله يذهب من الحياء، وفطن أن القضية قد اشتبهت على الحاجب بطريق اشتباه الاسم، وفطن عبد الملك بن صالح أيضاً للقصة وظهر له الخجل في وجه جعفر بن يحيى. فانبسط عبد الملك وقال: لا بأس عليكم، أحضروا لنا من هذه الثياب المصبغة شيئاً. فأحضر له قميص مصبوغ، فلبسه وجلس يباسط جعفربن يحيى ويمازحه وقال اسقونا من شرابكم فسقوه رطلاً وقال :ارفعوا بنا فليس لنا بهذا ثم باسطهم ومازحهم ومازال حتى انبسط جعفر بن يحيى وزال انقباضه وحياؤه، ففرح جعفر بذلك فرحاً شديداً وقال له: ما حاجتك؟ قال: جئت، أصلحك الله، في ثلاث حواشج أريد أن تخاطب الخليفة فيها، أولها أن علي ديناً مبلغه ألف ألف درهم أريد قضاءه، وثانيهما أريد ولاية لابني يشرف بها قدره، وثالثها أريد أن تزوج ولدي بابنة الخليفة فإنها بنت عمه وهو كفء لها.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account