FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة هارون الرشيد

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ولاه الرشيد خراسان، فخرج إليه أبو الهول الشاعر مادحاً معتذراً من شعرٍ كان هجاه به، فأنشده:

سرى نحوه من غضبة الفضل عارض ... له لجة فيها البوارق والرعد

وكيف ينام الليل ملقٍ فراشه ... على مدرجٍ يعتاده الأسد الورد

ومالي إلى الفضل بن يحيى بن خالدمن الجرم ما يخشى على مثله الحقد

فجد بالرضى لا أبتغي منك غيره ... ورأيك فيما كنت عودتني بعد

فقال له الفضل: لا أحتمل تفريقك بين رضاي وإحساني وهما مقرونان فإن أردتهما معاً وإلا فدعهما معاً. ثم وصله ورضي عنه.

حدث إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: كنت قد ربيت جاريةً حسنة الوجه وثقفتها وعلمتها حتى برعت، ثم أهديتها إلى الفضل بن يحيى، فقال لي: يا إسحق إن رسول صاحب مصر قد ورد إلي يسألني حاجة اقترحها عليه، فدع هذه الجارية عندك فإنني سأطلبها وأعلمه أني أريدها، فإنه سوف يحضر إليك ويساومك فيها فلا تأخذ فيها أقل من خمسين ألف دينار.

قال إسحق: فمضيت بالجارية إلى منزلي، فجاء إلي رسول صاحب مصر وسألني عن الجارية، فأخرجتها إليه، فبذل فيها عشرة آلاف دينار فامتنعت، فصعد إلى عشرين ألف دينار فامتنعت، فصعد إلى ثلاثين ألف دينار، فما ملكت نفسي حتى قلت له: بعتك، وسلمت الجارية إليه وقبضت منه المال. ثم إنني أتيت من الغد إلى الفضل بن يحيى، فقال لي: يا إسحق بكم بعت الجارية؟ قلت: بثلاثين ألف دينار. قال: ألم أقل لك لا تأخذ منه أقل من خمسين ألفاً؟ قلت: فداك أبي وأمي، والله ما ملكت نفسي منذ سمعت لفظة ثلاثين ألفاً. فتبسم ثم قال: إن رسول صاحب الروم قد سألني أيضاً حاجة وسأقترح عليه هذه الجارية وأدله عليك، فخذ جاريتك وانصرف إلى منزلك فإذا ساومك فيها فلا تأخذ منه أقل من خمسين ألف دينار.

فأخذت الجارية وانصرفت إلى منزلي، فأتاني رسول صاحب الروم وساومني في الجارية فطلبت خمسين ألفاً. فقال: هذا كثير ولكن تأخذ مني ثلاثين ألفاً. فوالله ما ملكت نفسي منذ سمعت لفظة ثلاثين ألفاً حتى قلت له: قد بعتك. ثم قبضت المال منه وسلمت الجارية إليه. ومضيت من الغد إلى الفضل بن يحيى، فقال: ما صنعت؟ وبكم بعت الجارية يا إسحق؟ قلت: بثلاثين ألفاً. قال: سبحان الله! ما أوصيتك ألا تأخذ فيها أقل من خمسين ألفاً؟ قلت: جعلت فداك، والله إني لما سمعت قوله ثلاثين ألفاً استرخت جميع أعضائي. فضحك وقال: خذ جاريتك واذهب إلى منزلك ففي غد يجيء إليك رسول صاحب خراسان فقو نفسك ولا تأخذ منه أقل من خمسين ألفاً.

قال إسحق: فأخذت الجارية ومضيت إلى منزلي، فجاءني رسول صاحب خراسان وساومني فيها، فطلبت خمسين ألفاً. فقال لي: هذا كثير ولكن تأخذ ثلاثين ألفاً، فقويت نفسي وامتنعت، فصعد معي إلى أربعين ألف دينار، فكاد عقلي يذهب من الفرح ولم أتمالك أن قلت له: بعتك، فأحضر المال وأقبضنيه وسلمت الجارية إليه. ومضيت من الغد إلى الفضل، فقال لي: يا إسحق بكم بعت الجارية؟ قلت: بأربعين ألفاً، ووالله لما سمعتها منه كاد عقلي يذهب، وقد حصل عندي، جعلت فداك، مائة ألف دينار ولم يبق لي أمل، فأحسن الله جزاءك.

فأمر بالجارية فأخرجت إلي، وقال: يا إسحق خذ جاريتك وانصرف. قال إسحق فقلت: هذه الجارية، والله، أعظم الناس بركة فأعتقتها وتزوجتها فولدت لي أولادي.

قيل: إن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس حضر يوماً عند الفضل بن يحيى ومعه سفط فيه جوهر، وقال له: إن حاصلي قد قصر عما أحتاج إليه، وقد علاني دين مبلغه ألف ألف درهم، وإني أستحي أن أعلم أحداً بذلك، وآنف أن أسأل أحداً من التجار أن يقرضني ذلك وإن كان معي رهن يفي بالقيمة، وأنت، أبقاك الله، لك تجار يعاملونك، وأنا أسألك أن تقترض لي من أحدهم هذا المبلغ وتعطيه هذا الرهن. فقال له الفضل: السمع والطاعة، ولكن نجح هذه الحاجة أن تقيم عندي هذا اليوم. فأقام عنده. ثم إن الفضل أخذ السفط منه وهو مختوم بختمه، وأرسل معه ألف ألف درهم ونفذ الدراهم والسفط إلى منزله وأخذ خط وكيله بقبضه. وأقام محمد في دار الفضل إلى آخر النهار، ثم انصرف إلى داره فوجد السفط ومعه ألف ألف درهم، فسر بذلك سروراً عظيماً.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا