FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة هارون الرشيد

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ولم تطل مدة الهادي، فيقال: إن أمه الخيزران أمرت جواريها بقتله ، فجلسوا على وجهه حتى مات. وسبب ذلك قد اختلف فيه، فقيل: إن الخيزران كانت متبسطة في دولة المهدي تأمر وتنهي وتشفع وتبرم وتنقض، والمواكب تروح وتغدو إلى بابها. فلما ولي الهادي وكان شديد الغيرة كره ذلك، وقال لها: ما هذه المواكب التي تبلغني أنها تغدو وتروح إلى بابك ؟ أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك! والله وإلا أنا نفي من قرابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي وخاصتي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله. ثم قال لأصحابه: أيما خير أنا وأمي أم أنتم وأمهاتكم ؟ قالوا: بل أنت وأمك. قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقال : فعلت أم فلان وصنعت أم فلان؟ قالوا: لا نحب ذلك. قال: فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون بحديثها؟ فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها، ثم بعث لها طعاماً مسموماً فلم تأكل منه ثم قتلته.

وقيل: بل السبب أن الهادي عزم على خلع أخيه هارون الرشيد والبيعة لابنه جعفر، فخافت الخيزران على هارون وكانت تحبه ففعلت بالهادي ما فعلت. ومات الهادي في سنة سبعين ومائة. والليلة التي مات فيها هي ليلة مات فيها خليفة وجلس خليفة وولد خليفة. وقد كانوا يحدثون أنه سيكون ليلة كذلك، فالخليفة الذي مات فيها هو الهادي، والذي جلس فيها على سرير الخلافة هو الرشيد، والذي ولد فيها هو المأمون.

شرح حال الوزارة في أيامه: لما بويع بالخلافة استوزر الربيع بن يونس، وقد سبق شرح طرف من سيرته ونسبه، ثم استوزره بعده إبراهيم بن دكوان الحراني.

وزارة إبراهيم بن دكوان الحراني: كان إبراهيم قد اتصل بالهادي في أيام حداثته؛ كان يدخل إليه مع معلم كان يعلم الهادي، فخف إبراهيم على قلب الهادي وألفه وصار لا يصبر عنه، ثم سعى به إلى المهدي فكره لابنه صحبته فنهاه عنه فما انتهى، فتهدده بالقتل والهادي لا يباعده، فاشتدت به السعايات إلى المهدي فأرسل إلى ابنه الهادي أن أرسل إلى إبراهيم الحراني وإلا خلعتك من الخلافة. فأرسله إليه صحبة بعض خدمه مرفهاً ، فوصل إليه والمهدي يريد الركوب إلى الصيد، فلما رآه قال: يا إبراهيم، والله لأقتلنك والله لأقتلنك والله لأقتلنك! ثم قال: احفظوه حتى أعود من الصيد. فأقبل على الدعاء والتضرع. فاتفق أن المهدي أكل الطعام المسموم، كما تقدم شرحه، فمات من ساعته، وتخلص الحراني، وجلس الهادي على سرير الخلافة، ثم بعد ذلك بمديدة استوزر الحراني، ولم تطل الأيام حتى مات الهادي.

انقضت أيام الهادي ووزرائه.

ثم ملك بعده أخوه هارون الرشيد

خلافة هارون الرشيد

بويع بالخلافة سنة سبعين ومائة كان الرشيد من أفاضل الخلفاء وفصحائهم وعلمائهم وكرمائهم، كان يحج سنة ويغزو، كذلك مدة خلافته إلا سنين قليلة. قالوا: وكان يصلي في كل يوم سنة مائة ركعة، وحج ماشياً ولم يحج خليفة ماشياً غيره، وكان إذا حج معه مائة من الفقهاء وأبناؤهم، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابقة والكسوة الظاهرة. وكان يشتبه في أفعاله بالمنصور إلا في بذل المال، فإنه لم ير خليفة أسمح منه بالمال، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخر، وكان يحب الشعر والشعراء ويميل إلى أهل الأدب والفقه ويكره المراء في الدين، وكان يحب المديح لاسيما من شاعر فصيح، ويجزل العطاء عليه.

قال الأصمعي: صنع الرشيد طعاماً وزخرف مجالسه وأحضر أبا العتاهية وقال له: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا. فقال أبو العتاهية:

عش ما بدا لك سالماً ... في ظل شاهقة القصور

فقال الرشيد: أحسنت، ثم ماذا؟ فقال:

يسعى عليك بما اشتهي ... ت لدى الرواح أو البكور

فقال: حسن، ثم ماذا؟ فقال:

فإذا النفوس تقعقعت ... في ظل حشرجة الصدور

فهناك تعلم موقناً ... ما كنت إلا في غرور

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا