قال يعقوب : فدليت بحبل في بئر مظلمة لا أرى فيها الضوء، وكان يأتيني في كل يوم ما أتقوت به. فمكثت مدة لا أدري كم هي، وذهب بصري. ففي بعض الأيام دلي لي حبل وقيل اصعد قد جاء الفرج. فصعدت وقد طال شعري وأظافيري، فأدخلت الحمام وأصلحوا شأني وألبسوني ثياباً ثم قادوني إلى مجلس، وقيل لي: سلم على أمير المؤمنين. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقيل لي: على أي أمراء المسلمين سلمت؟ قلت: على أمير المؤمنين المهدي. فسمعت قائلاً من صدر المجلس يقول: رحم الله المهدي، ثم قيل لي: سلم على أمير المؤمنين. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقيل لي على أي أمراء المسلمين سلمت؟ فقلت: على أمير المؤمنين الهادي. فسمعت قائلاً يقول من صدر المجلس: رحم الله الهادي. ثم قيل لي: سلم. فسلمت. فقيل لي: على من سلمت؟ قلت: على أمير المؤمنين هارون الرشيد. فقال: وعليك السلام يا يعقوب ورحمة الله وبركاته، أعزز علي بما نالك.
فجعلت المهدي في حل، ودعوت للرشيد وشكرته على خلاصي. ثم قال: ما تريد يا يعقوب؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما بقي في مستمتع ولا بلاغ، وأريد المجاورة بمكة. فأمر لي بما يصلحني، ثم توجه يعقوب إلى مكة وجاور بها ولم تطل أيامه حتى مات هناك سنة ست وثمانين ومائة.
وزارة الفيض بن أبي صالح: هو من أهل نيسابور، وكانوا نصارى، فانتقلوا إلى بني العباس وأسلموا. وتربى الفيض في الدولة العباسية وتأدب وبرع، وكان سخياً مفضالاً متخرقاً في ماله جواداً عزيز النفس كبير الهمة كثير الكبر والتيه، حتى قال فيه بعض الشعراء:
أبا جعفر جئناك نسأل نائلاً ... فأعوزنا من دون نائلك البشر
فما برقت بالوعد منك غمامة ... يرجى بها من سيب نائلك القطر
فلو كنت تعطينا المنى وزيادة ... لنغصها منك التجبر والكبر
قالوا: كان يحيى بن خالد بن برمك إذا استعظم أحد كرمه وجوده قال: لو رأيتم الفيض لصغر عنكم أمري. وفي الفيض يقول أبو الأسود الحماني الشاعر يمدحه:
ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها: لن يقدح اللوم في البحر
أرادت لتثني الفيض عن سنن الندى، ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر
مواقع جود الفيض في كل بلدةٍ ... مواقع ماء المزن في البلد القفر
كان وفود الفيض لما تحملوا ... إلى الفيض وافوا عنده ليلة القدر
قالوا: كان الفيض بن أبي صالح متوجهاً في بعض الأيام إلى بعض أغراضه فصادفه صديق له، فسأله الفيض إلى أين يذهب. فقال: إن وكيل السيدة أم جعفر زبيدة قد حبس فلاناً على بقية ضمان مبلغها مائة ألف دينار، وفلان، يعني المحبوس، صديقي وصديقك أيضاً، وأنا متوجه إلى الوكيل المذكور لأشفع فيه، فهل لك أن تصل جناحي وتساعدني على هذه المكرمة؟ فقال الفيض: إي والله ! ثم مضى معه فحضر عند وكيل أم جعفر زبيدة وشفعا في الرجل المحبوس.
فقال الوكيل: الأمر في هذا إليها وما أستطيع أن أفرج عنه إلا بقولها، ولكني أخاطبها وأحسن لها الإفراج عنه.
ثم كتب إليها شيئاً. فخرج الجواب أنه لابد من استيفاء هذا المال منه، ولا سبيل إلى قبول شفاعة في هذا الباب، فاعتذر الوكيل إليهما وأراهما الخط. فقال الرجل للفيض: قم حتى نمضي، فقد فعلنا ما يجب علينا. فقال الفيض: لا والله ما فعلنا ما يجب علينا فكأننا ما جئنا إلى هنا إلا لنؤكد حبس صاحبنا. قال الرجل: فما نصنع؟ قال الفيض: حيث قد تعذر علينا خلاصه من هذه الجهة نؤدي عنه هذا المال من خاصنا ونخرجه، أنت نصفه وأنا نصفه. فأجاب الرجل إلى ذلك. فقالا للوكيل: كم لك عليه؟ قال: مائة ألف دينار. قالا: هي علينا، وهذا خطنا بها فادفع إلينا صاحبنا. قال: مائة ألف دينار . قالا: هي علينا، وهذا خطنا بها فادفع إلينا صاحبنا. قال: هذا أيضاً لا أقدر أن أفعله حتى أعلمها بالحال. قالا: فأعلمها. فكتب إليها الوكيل يخبرها بما قال الفيض وبصورة الحال. فخرج الخادم وقال: لا يكون الفيض أكرم منا، وقد وهبناه المائة الألف، فادفع إليهم صاحبهم. فأخذاه وخرجا.