وجرى في أيامه شيء طريف، وهو أن قوماً من أهل خراسان يقال لهم الراوندية كانوا يقولون بتناسخ الأرواح، ويزعمون أن روح آدم انتقلت إلى فلانٍ رجل من كبارهم، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور، وأن جبرائيل هو فلان عن رجل آخر. فلما ظهروا أتوا قصر المنصور فطافوا حوله وقالوا: هذا قصر ربنا، فأخذ المنصور رؤساءهم فحبس منهم مائتي رجل، فغضب الباقون واجتمعوا وفتحوا السجون وأخرجوا أصحابهم منها وقصدوا المنصور وحاربوه، فخرج المنصور إليهم ماشياً، ولم يكن في بابه في ذلك الوقت دابة، فصار بعد ذلك اليوم تربط له دابة في باب القصر لا تزال واقفة، وصارت تلك سنة للخلفاء بعده وللملوك. فلما خرج المنصور أتي بدابة فركبها وهو يريدهم حتى تكاثروا عليه وكادوا يقتلونه. وجاء معن بن زائدة وكان مستخفياً من المنصور، جاء متلثماً ووقف بين يدي المنصور والمنصور لا يعرفه، فقاتل بين يديه قتالاً شديداً وأبلى بلاءً حسناً. وكان المنصور راكباً على بغلة ولجامها بيد حاجبه الربيع، فأتى معن وقال : تنح فأنا أحق منك بهذا اللجام في هذا الوقت! فقال المنصور: صدق، ادفع اللجام إليه، فلم يزل يقاتل حتى انكشفت الحال وظفر بالراوندية. فقال له المنصور: من أنت؟ قال : طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة. فقال: قد آمنك الله على نفسك وأهلك ومالك، ومثلك يصطنع. وأحسن إليه وولاه اليمن.
والمنصور هو الذي بنى مدينة بغداد.
شرح كيفية الحال في بناء بغداد: كان المنصور قد بنى في أوائل دولتهم مدينة بنواحي الكوفة وسماها الهاشمية، ووقعت وقعة الراوندية فيها فكره سكناها لذلك ولمجاورة أهل الكوفة، فإنه كان لا يأمنهم على نفسه، وكانوا قد أفسدوا جنده. فخرج بنفسه يرتاد له موضعاً يسكنه وبيني فيه مدينة له ولعياله ولأهله ولجنده، فانحدر إلى جرجرايا وأصعد إلى الموصل، ثم أرسل جماعةً من الحكماء ذوي اللب والعقل وأمرهم بارتياد موضع، فاختاروا له مدينته التي تسمى مدينة المنصور، وهي بالجانب الغربي، قريبة من مشهد موسى والجواد عليهما السلام، فحضر إلى هناك واعتبر المكان ليلاً ونهاراً فاستطابه وبنى به المدينة .
ومن طريف ما اتفق في ذلك أن راهباً من رهبان الدير المعروف الآن بدير الروم سأل بعض أصحاب المنصور: من يريد أن يبني في هذا الموضع مدينة؟ فقال له ذلك الرجل: أمير المؤمنين المنصور خليفة الناس. قال: ما اسمه؟ قال: عبد الله. قال: فهل له اسم غير هذا؟ قال: اللهم لا، إلا أن كنيته أبو جعفر ولقبه المنصور. قال الراهب: فاذهب إليه وقل له لا يتعب نفسه في بناء هذه المدينة، فإنا نجد في كتبنا أن رجلاً اسمه مقلاص يبني هاهنا مدينة ويكون لها شأن من الشأن، وأن غيره لا يتمكن من ذلك. فجاء ذلك الرجل إلى المنصور وأخبره بما قال الراهب، فنزل المنصور عن دابته وسجد طويلاً ثم قال: أما والله كان اسمي مقلاصاً، وكان هذا اللقب قد غلب علي ثم ذهب عني، وذاك أن لصاً كان في صباي يسمى مقلاصاً وكانت تضرب به الأمثال، وكانت لنا عجوز تربيني، فاتفق أن صبيان المكتب جاؤوا يوماً إلي وقالوا لي: نحن اليوم أضيافك، ولم يكن معي ما أنفقه عليهم، وكان للعجوز غزل فأخذته وبعته بما أنفقته عليهم. فلما علمت أني سرقت غزلها سمتني مقلاصاً وغلب هذا اللقب علي ثم ذهب عني، والآن عرفت أني أبني هذه المدينة.
ونبهه بعض عقلاء النصارى على فضيلة مكانها فقال: يا أمير المؤمنين تكون على الصراة بين دجلة والفرات فإذا حاربك أحد كانت دجلة والفرات خنادق لمدينتك، ثم إن الميرة تأتيك في دجلة من ديار بكر تارة ومن البحر والهند والصين والبصرة، وفي الفرات من الرقة والشأم، وتجيئك الميرة أيضاً من خراسان وبلاد العجم في شط تامرا. وأنت يا أمير المؤمنين بين أنهار لا يصل عدوك إليك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر أو أخربت القنطرة لم يصل إليك عدوك. وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط والموصل والسواد. وأنت قريب من البر والبحر والجبل. فازداد المنصور جداً وحرصاً على بنائها، وكاتب الأطراف بإنفاذ الصناع والفعلة، وأمر باختيار قوم من ذوي العدالة والعقل والعلم والأمانة والمعرفة بالهندسة ليتولوا قسمة المدينة وعملها، وشرع فيها في سنة خمس وأربعين ومائة.
وكان أبو حنيفة، رضي الله عنه، صاحب المذهب يعد اللبن والآجر.