وكان في ابتداء أمره قد تعلق بخدمة سلاطين العجم، وكان يلوذ ببعض وزراء العجم بأصفهان في حال صباه ولم يبلغ العشرين من عمره، وكان ذلك الوزير قد ضجر من الكتاب الذين بين يديه ونسبهم إلى أنهم يخالفون تقدماته، فأبعدهم عنه واستكتب القمي ظناً منه أنه لمجرد حداثة سنه لا يقدم على مخالفة ما يشير به، فمكث القمي يكتب بين يديه مدة، ففي بعض الأيام أحضرت بين يدي الوزير جملة من الثياب النسيج بعضها صحيح وبعضها مقطوع، فأحضر القمي بين يديه ليثبت عددها ويحملها إلى الخزانة، وكان الوزير يورد عليه كذا وكذا ثوباً صحاحاً، فيكتب القمي: كذا وكذا ثوباً، وما يكتب لفظة صحاحاً، فقال له الوزير: لم لا تكتب كما أقول لك؟ فقال يا مولانا! لا حاجة إلى ذكر الصحاح، فإني إذا وصلت إلى ذكر ثوبٍ مقطوع ذكرت تحته أنه مقطوع، فتخصيص المقطوع بالذكر يدل على أن ما لم يوصف بالقطع صحيح. فقال الوزير: لا، بل اكتب كما أقول. فراجعه القمي، فحرد الوزير لذلك وارتفع صوته والتفت إلى الحاضرين وقال: أنا عزلت الكتاب الكبار الذين كانوا عندي لأجل مخالفتهم ولجاجهم فيما أقوله، واستكتبت هذا الصبي ظناً مني أنه لحداثة سنه لا يكون عنده من التجرؤ والمخالفة ما عندهم، فإذا هو أشد مخالفة من أولئك. فخرج بعض خدام السلطان من بين يديه، وكان جالساً قريباً من مجلس الوزير، وسأل عن كثرة الصباح وحرد الوزير، فعرف الخادم صورة ما جرى بين الوزير والقمي، فدخل وحكى للسلطان ما قيل. فقال له: اخرج وقل للوزير: الحق ما اعتهده الصبي الكاتب. فنبل القمي في عيون الناس، وعلت منزلته وأنس القمي بهذا الخادم، وصار الخادم يستشيره ويسكن إليه ويأنس به.
فاتفق أن السلطان عين على هذا الخادم وعلى رجل آخر ليتوجها في رسالة إلى ديوان الخليفة، فالتمس الخادم أن يكون القمي صحبته، فأرسل صحبته، فتوجهوا إلى بغداد وحضر الخادم ورفيقه عند الوزير ابن القصاب، فشافهاه بالرسالة وسمعا الجواب، وكان جواباً غير مطابق للرسالة، ولكنه كان نوعاً من المغالطة، فقنع الخادم ورفيقه بذلك الجواب، وماتنبها على فساده، وخرجا. فرجع القمي ووقف بين يدي الوزير وحادثه سراً وقال له: يا مولانا! الجواب غير مطابق لما أنهاه المماليك. فقال له الوزير: صدقت. ولكن دعهم على غباوتهم ولا تفطنهم إلى ذلك. فقال: السمع والطاعة.
ثم إن ابن القصاب كتب إلى الخليفة يقول له: إنه قد وصل صحبة خادم السلطان فلان شاب قمي قد جرى من تنبهه كيت وكيت، ومثل هذا يجب أن يصطنع ويحسن إليه ويستخدم. فكتب الخليفة إليه يأمره بألا يمكنه من التوجه معهم، فعمل به حجة وقطع عنهم، فتوجهوا، وأقام القمي ببغداد فعين عليه في كتابة الإنشاء، فمكث على ذلك مدةً، ثم تولى الوزارة وتمكن في الدولة تمكناً لم يتمكن مثله أحد من أمثاله، وكان أوحد زمانه في كل شيء حسن كثير البر والخير والصدقات.
حدث عنه مملوكه بدر الدين آياز قال: طلب ليلةً من الليالي حلاوة النبات، فعمل منها في الحال صحون كثيرة وأحضرت بين يديه في ذلك الليل، فقال لي: يا آياز تقدر تدخر هذه الحلاوة لي موفرة إلى يوم القيامة؟ فقلت: يا مولانا وكيف يكون ذلك وهل يمكن هذا؟ قال: نعم! تمضي في هذه الساعة إلى مشهد موسى والجواد، عليهما السلام، وتضع هذه الأصحن قدام أيتام العلويين، فإنها تدخر لي موفرة إلى يوم القيامة. قال آياز فقلت: السمع والطاعة، ومضيت، وكان نصف الليل، إلى المشهد وفتحت الأبواب وأبهت الصبيان الأيتام ووضعت الأصحن بين يديهم ورجعت.
ومازال القمي على سدادٍ من أمره، تولى الوزارة للناصر ثم للظاهر قم للمستنصر حتى قبض عليه المستنصر وحبسه في باطن دار الخلافة مدة، فمرض وأخرج مريضاً، فمات، رحمه الله، في سنة تسع وعشرين وستمائة.
انقضت أيام الناصر لدين الله ووزرائه ثم ملك بعده ولده أبو نصر محمد الظاهر بأمر الله بن الناصر لدين الله.
خلافة الظاهر بأمر الله
بويع في سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
لم تطل أيامه ولم يجر فيها ما يسطر سوى احتراق القبة الشريفة بمشهد موسى والجواد، عليهما السلام، فشرع الظاهر في عمارتها، فمات ولم تفرغ، فتممها المستنصر.