FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة المسترشد

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

كان رجلاً كافياً من كفاة الدولة العباسية. استوزره المستظهر بعد زعيم الرؤساء ابن جهير، وكان قبل الوزارة يتولى ديوان الزمام. فحدث عنه بعض أصحابه قال: دخلت يوماً إليه قبل الوزارة وهو صاحب ديوان فرأيته مفكراً مضطرب الخاطر، فسألته عن السبب، فقال: كنت قد أنهيت إلى المستظهر في السنة الخالية اجتهادي في عمارة البلاد وضبطي للارتفاع وتثميري للحاصل وقلت: قد حصل في هذه السنة اثنا عشر ألف كر، وفي السنة المستقبلية يحصل عشرون ألف كر، فخرج جوابه يشكرني ويثني علي، وشرفني بشيء من ثيابه، فسررت وقلت: هذه ثمرة الاجتهاد، ثم جردت همتي للعمارة وانبعثت بجهدي وطاقتي في عمارة المستقبل، فاتفق أن انفجر بثق فتلف من الارتفاع شيء كثير، وجرت أحوال أخر اقتضت خفوق الارتفاع بحيث نقص عن ارتفاع السنة الخالية جملة. فكتبت مطالعةً إلى الخليفة أعرفه فيها بخفوق الارتفاع، وذكرت له كمية الحاصل، ولم أشرح له السبب في نقيصة الارتفاع، وقلت في نفسي: إن سألني عن السبب شرحته له، فخرج جوابه إلي يشكرني ويثني علي وشرفني بشيء من ثيابه كما فعل في السنة الخالية، فقال في نفسي: واويلاه هذا حالي معه في حالة الاجتهاد والتقصير! وقد شكرني على الحالتين المتناقضتين. وهذا يدل على أنه لا يفكر فيما يقوله ويفعله، فما يؤمنني أن بعض من هو قريب إليه من أعدائي يعرض عليه في أمري ما يكون سبباً لهلاكي، فلا يتأمل القضية بل يتقدم بما يوافق غرض العدو؟ قال الحاكي فقلت له: يعيذك الله ويقيك مما تحذر. وما برحت حتى سليته وأزلت غمه. وكان هذا أبو المعالي بن المطلب من علماء الوزراء وأفاضلهم وأخيارهم.

انقضت أيام المستظهر بالله ووزرائه.

ثم ملك بعده ابنه المسترشد أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله. بويع في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.

خلافة المسترشد

كان المسترشد رجلاً فاضلاً. لما بويع بالخلافة هرب أخوه الأمير أبو الحسن وأخفى نفسه، ومضى إلى الحلة مستجيراً بدبيس بن صدقة صاحب الحلة، وكان دبيس بن صدقة أحد أجواد الدنيا. كان صاحب الدار والجار، والحمى والذمار، وكانت أيامه أعياداً وكانت الحلة في زمانه محط الرحال، وملجأ بني الآمال، ومأوى الطريد، ومعتصم الخائف الشريد. فأكرمه دبيس إكراماً زائداً عن الحد، وأفرد له داراً وأكرمه إكراماً كثيراً، ومكث عنده مدة على أحسن حال. فلما علم أخوه المسترشد بالله أنه عند دبيس قلق لذلك وخاف من أمر يحدث من ناحيته، فبعث نقيب النقباء علي بن طراد الزينبي إلى الحلة بخاتمه وأمانه، وأمره أن يأخذ البيعة على دبيس ويطلب منه أن يسلم إليه الأمير أبا الحسن.

فقال دبيس: أما البيعة فالسمع والطاعة لأمر أمير المؤمنين، وبايع. وأما تسليم جاري فلا والله لا أسلمه إليكم وهو جاري ونزيلي ولو قتلت دونه إلا أن أختار. فأبى الأمير أبو الحسن التوجه صحبة النقيب إلى أخيه، فمضى النقيب وحده.

ثم بعد ذلك ظفر به المسترشد فسجنه في بعض دوره على حالة جميلة. وجرت بين الخليفة المسترشد وبين السلطان مسعود وحشة وتفاقم الأمر فيها، وأفضى الحال إلى الحرب، فتوجه الخليفة المسترشد وصحبته العسكر وأرباب الدولة، وتجهز مسعود للقائهم. فلما التقوا والتحم القتال انكسر عسكر الدولة، وتجهز مسعود للقائهم. فلما التقوا والتحم القتال انكسر عسكر المسترشد، واستظهر السلطان مسعود عليهم ونهب عسكره من العسكر الخليفي أموالاً عظيمةً. فيقال إن صناديق المال كانت على مائة وسبعين بغلاً وهي أربعة آلاف ألف دينار وكان الرجل على خمسمائة جمل وكان معه عشرة آلاف عمامة، وعشرة آلاف جبة، وعشرة آلاف قباء، كل ذلك من فاخر الثياب، كان قد أعدها للتشريفات إن ظفر، فيقال إن جملة ما يهب عشرة آلاف ألف دينار.

ونهى مسعود عن إراقة الدماء، وقبض على أصحاب الخليفة وحملهم إلى القلعة، وأما الخليفة فأفرد له خيمة ووكل به جماعة.

موت المسترشد:

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا