ولما مات القائم قام الوزير فخر الدولة بأخذ البيعة للمقتدي أحسن قيام. وكانت مدة وزارته للخليفتين القائم والمقتدي خمس عشرة سنة وشهراً، ومات بعد ذلك في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
وزارة رئيس الرؤساء علي بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عمر بن المسلمة: كان وزير القائم قبل ابن جهير، ومن أجله وقعت فتنة البساسيري، وكان قبل الوزارة أحد المعدلين ببغداد وممن له معرفة بالفقه وأنس بالعلم ورواية الحديث، وجل أمره، وعظمت منزلته، ووقع بينه شر وبين البساسيري أبي الحارث التركي، وكان أحد الأمراء، فاقتضى الحال أن البساسيري هرب ثم جمع الجموع وورد إلى بغداد واستولى عليها، ثم ظفر بابن المسلمة رئيس الرؤساء فمثل به.
فمن جملة ما فعل به أنه حبسه ثم أخرجه مقيداً وعليه جبة صوف وطرطور من لبد أحمر وفي رقبته مخنقة فيها جلود مقطعة شبيهة بالتعاويذ، وأركب حماراً وطيف به في المحال ووراءه من يضربه بجلد وينادي عليه، ورئيس الرؤساء يقرأ: ً قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاءً وشهرة في البلد.
فلما اجتاز بالكرخ نثر عليه أهل الكرخ المداسات الخلع وبصقوا في وجهه، ووقف بإزاء دار الخلافة من الجانب الغربي، ثم أعيد وقد نصبت له خشبة في باب خراسان، فأنزل عن الحمار وخيط عليه جلد ثور قد سلخ في الحال وجعلت قرونه على رأسه وعلق بكلاب في حلقه، واستبقي في الخشبة حياً إلى أن مات من يومه.
انقضت أيام القائم بأمر الله ووزرائه.
ثم ملك بعده ابن ابنه المقتدي بأمر الله، وهو أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة ابن القائم. بويع في سنة سبع وستين وأربعمائة.
؟خلافة المقتدي بأمر الله كان المقتدي عالي الهمة خبيراً بالأمور، من أفاضل خلفائهم، اتفق مع السلطان ملكشاه واقعة عجبية. كان السلطان ملكشاه قد قصد بغداد فوصلها في سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، وقد تغيرت نيته على المقتدي، فأرسل ملكشاه إلى المقتدي يقول له: تخرج من بغداد وتسكن أي بلد شئت. فانزعج المتقدي من ذلك وطلب منه أن يمهله شهراً. فقال ملكشاه: ولا ساعة واحدة. وترددت الرسل بينهما، ثم استقرت الحال بوساطة تاج الملك أبي الغنائم وزير ملكشاه أن يؤخره عشرة أيام. فقال ملكشاه: يجوز. ففي عيد الفطر صلى السلطان وخرج إلى الصيد، فحم وافتصد، فتوفي في نصف شوال، وضبطت زوجته زبيدة خاتون العسكر بعد موته، واستقر مع المقتدي ترتيب ابنها محمود في السلطنة، وعمره يومئذ ست سنين، فخطب له وخلع المقتدي عليه، وخرج العسكر وخاتون وابنها محمود بن ملكشاه إلى أصفهان وكفى الله المقتدي شر ملكشاه. وتوفي المقتدي فجأة في سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
شرح حال الوزارة في أيامه: لما بويع المقتدي بالخلافة أقر فخر الدولة بن جهير وزير أبيه على وزارته، وقد مضى من سيرته ما يغني عن ذكر شيء آخر.
وزارة ابنه عميد الدولة محمد بن محمد بن محمد بن جهير: كان القائم والمقتدي يرسلانه في رسائل إلى السلاطين فتنجح على يده. وكان فاضلاً حصيفاً، فاستحلاه نظام الملك وزير السلطان، وكان يعجب منه ويقول: وددت أني ولدت مثله. ثم زوجه ابنته واستوزره المقتدي وفوض الأمور إليه، ثم عزله فشفع له نظام الملك فأعيد إلى الوزارة.
فقال ابن الهبارية الشاعر في ذلك يهجو عميد الدولة:
لولا صفية ما استوزرت ثانيةً ... فاشكر حراً صرت مولانا الوزير به
صفية هي بنت نظام الملك الوزير التي تزوجها عميد الدولة.
ثم وقع بين عميد الدولة وبين سلاطين العجم وقعة فطلبوا من الخليفة عزله، وأشار أصحاب الخليفة بذلك فعزله، وحبس بباطن دار الخلافة ثم أخرج ميتاً فدفن، وكان يقول الشعر. فمن شعره:
إلى متى أنت في حل وترحال ... تبغي العلى والمعالي مهرها غالي
يا طالب المجد دون المجد ملحمة ... في طيها خطر بالنفس والمال
ولليالي صروف قلما انجذبت ... إلى مراد امرىءٍ يسعى بلا مال
وزارة أبي شجاع ظهير الدين محمد بن الحسين الهمذاني: