هذه دولة قويت شوكتها وعرضت مملكتها ونفذت تقدماتها في الحضرة الخليفية، واستولت على الخلافة، وخطب لها على المنابر، وضربت أسماء ملوكها على الدرهم والدينار.
ذكر ابتداء حالهم: هم قوم أصلهم من الترك الخزر، وكانوا يخدمون مع ملوك الترك. ونشأ جدهم سلجوق وكانت أمارات النجابة لائحة عليه، ودلائل السعادة ظاهرة على حركاته، فقربه ملك الترك واختص به ولقبه شباشي، ومعناه في لغتهم قائد الجيش. فنبغ سلجوق بعلو همته واستمال قلوب الرجال بكرمه وعقله وانقادات الأكابر إليه. فيقال إن زوجة ملك الترك قالت لزوجها: إني أتوسم في سلجوق تغلاً عليك، والرأي عندي أن تقتله فقد كثر ميل الناس إليه. فقال لها: سوف أبصر ما أصنع في أمره.
ثم أحس سلجوق بشيء من ذلك العزم، وظهر له التغير، فجمع عشيرته ومن تبعه وحالفهم، واستجلب من أطاعه، وصار قائداً معظماً للغز، ونفر بهم من بلاد الترك إلى بلاد المسلمين. فلما دخلها أظهر الإسلام، ليكون المسلمون عوناً له وليمكنوه من المراعي والمساكن. فنزل بالجند وشرع في غزو من قاربه من أصناف الترك، وكان لملك الترك إتاوة على تلك البلاد المتاخمة له، فقطعها سلجوق وطر نوابه، ومات سلجوق وعمره مائة سنة.
ثم نشأ أولاده في القوة والنعمة والدولة فاستولوا على كل موضع استضعفوه من بلاد العجم. ومازال أمرهم ينمى حتى ملك طغرلبك، وهو أول سلاطينهم، طائفةً من بلاد العجم. ومازال أمره يقوى حتى تغلب البساسيري على بغداد ونهبها وقتل من بها، وأخرج الخليفة القائم فحبسه بقلعة الحديثة.
وكانت فتنة البساسيري فتنة عظيمة. فحينئذ كتب القائم إلى طغرلبك السلطان يستدعيه إلى بغداد لينصره على البساسيري، فسار طغرلبك بعساكره إلى بغداد، فلما سمع البساسيري بذلك انتفض عليه أمره وفارق بغداد، ودخل طغرلبك إلى بغداد وأعاد رونق الدولة الخليفية، وخطب له بالسلطنة على منابر بغداد .
وكان ذلك أول سلطنتهم بالحضرة. وأما انتهاؤها فإنها مازالت أمورها تضعف حتى انقرضت بالكلية في أيام الناصر، وذلك في سنة تسعين وخمسمائة، فتعالى الله. ومات القائم في سنة سبع وستين وأربعمائة.
شرح حال الوزارة في أيامه: وزر له فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير وزارة ابن جهير : كان فخر الدولة من عقلاء الرجال ودهاتهم. كان في ابتداء أمره فقيراً مدقعاً وترامت به الأسباب. فمن مبادئها أنه كان جالساً بالكرخ يوماً فعبر عليه غسال ممن يغسل بالخربات ومعه فصوص عتق قد استحالت ألوانها، فاشتراها منه بثلاثة دنانير وجلا بعضها، فخرج أحدها ياقوتاً أحمر، وخرج الآخر فيروزجاً جيداً، فصاغ لكل واحد منهما خاتماً من ذهب. ثم إنه تقلبت به الأمور حتى مضى في رسالة إلى ملك الروم فمد له الخاتمين، فأعطاه عشرين ألف دينار فكانت أصل غناه ونعمته.
ثم تنقل في الخدمات حتى اتصل بابن مروان صاحب ديار بكر فخدمه مدة وأثرى عنده ثروة ضخمة، فسمت همته إلى وزارة الخليفة، فأرسل سراً إلى القائم وعرض عليه نفسه وبذل له ثلاثين ألف دينار. فأرسل القائم بعض خواصه في رسالة إلى ابن مروان، وكان غرضه من إرسال ذلك الرسول أن يجتمع بفخر الدولة سراً، وقرر معه ما أراد. ثم لما أراد الرسول الرجوع إلى بغداد خرج فخر الدولة كأنه يودعه فانحدر معه إلى بغداد، وكان قبل ذلك قد فرق أمواله بالبلاد وأنفذ منها شيئاً إلى بغداد.
فلما وصل الرسول إلى بغداد وصحبته فخر الدولة أرسل القائم إليه أصحابه يتلقونه، ثم خلع عليه خلع الوزارة. ونهض فخر الدولة بأمور الوزراة أحسن نهوض، وكانت الأطراف المتاخمة للعراق عاصية على الخليفة وكان ملوكها أصدقاء فخر الدولة فكاتبهم وراسلهم واستمالهم فدخلوا في طاعة الخليفة. ثم عزل فخر الدولة عن الوزارة بسبب كدر جرى بينه وبين نظام الملك وزير السلطان. ثم أعيد فخر الدولة إلى الوزارة. ولما أعيد إلى منصبه قال ابن الفضل الشاعر يمدحه:
قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به
ما كنت إلا السيف سلته يد ... ثم أعادته إلى قرابه
ولما عاد إلى الوزارة فرح الناس به فرحاً شديداً، فيقال: إنه سقاء ذبح ثوراً له لم يكن يملك غيره وتصدق بلحمه، فأعطاه الوزير بغلاً بآلته وأعطاه معه شيئاً من الذهب.