FluentPlex

Al-Fakhrī

الدولة الفاطمية

Original text Public domain

Read with the dictionary

كان صالح الأدب جيد العقل مليح الخط بليغاً، يذاكر بجميل الأخبار والأشعار. كان السبب في ولايته أمراً عجيباً، وهو أن أبا العباس المذكور كان يلاطف أصحاب المقتدر ويتودد إليهم ويهاديهم، وكانوا يحبونه ويتعصبون له دائماً ويصفونه عند المقتدر، فاتفق أن حصل فتق من الفتوق ببعض الجهات، فجهز المقتدر جيشاً وأرسله صحبة بعض أمرائه إلى تلك الجهة. ثم كان المقتدر شديد التطلع إلى أخبار هذا الجيش فأرسل ابن الخصيب طيوراً صحبة بعض ثقاته مع الجيش، وقال لصاحبه: سرح كل يوم طيوراً وعليها الأخبار ساعة فساعة. فكانت ترد الأخبار على الطيور إلى أحمد بن عبيد الله بن الخصيب فيعرضها على المقتدر ساعة بعد ساعةٍ حتى إن المقتدر لم يفته من أمر الجيش شيء. فتعجب المقتدر من ذلك وقال: من أين يعلم أحمد بن الخصيب أخبار هذا الجيش؟ فعرف الصورة ، وقيل له: من تسمو همته إلى مثل هذا وليس له تعلق بهذه القضية فكيف يكون جده واجتهاده إذا صار وزيراً ؟ فاستوزره.

قالوا: وكان أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن الخصيب عفيفاً متورعاً عن مال السلطان والرعية، مجانباً لخيانة، محافظاً على الأمانة، ثم ضعف أمره وانحرفت عنه السيدة أم المقتدر، وكان كاتبها قبل الوزارة، فعزل وقبضت أمواله، وذلك في سنة أربع عشرة وثلثمائة.

وزراة أبي علي محمد بن علي بن مقلة: هو صاحب الخط الحسن المشهور الذي تضرب بحسنه الأمثال، وهو أول من استخرج هذا الخط ونقله من الوضع الكوفي إلى هذا الوضع، وتبعه بعده ابن البواب. كان في ابتداء أمره يخدم في بعض الدواوين في كل شهر بستة دنانير، ثم إنه تعلق بأبي الحسن بن الفرات الوزير واختص به، وكان ابن الفرات كالبحر سماحاً وجوداً ، فرفع من قدره وأعلى من شأنه، فمكث بين يديه يعرض عليه رقاعاً في مهمات الماس وينتفع بسبب ذلك، وكان ابن الفرات يأمره بالتحصيل من هذه الجهة إيثاراً لنفعه، فمازال على ذلك حتى علت حاله وكثر ماله، ولما ولي ابن الفرات الوزارة الثانية تمكن ابن مقلة في دولته ونبعت حاله وعرض جاهه. ثم إن الشيطان نزغ بينه وبين أبي الحسن علي بن الفرات، فاستوحش كل منهما من صاحبه، فكفر ابن مقلة إحسان ابن الفرات ودخل في جملة أعدائه والسعاة عليه حتى جرت النكبة على ابن الفرات، فلما رجع ابن الفرات إلى الوزارة قبض عليه وصادره على مائة ألف دينار أدتها عنه زوجته، وكانت ذات مال طائل، وكانت لابن مقلة يد طولى في الكتابة والإنشاء، وكانت توقيعاته غير مذمومة في فنها، وله شعر، فمنه:

جربني الدهر على صرفه ... فلم أخر عند التصاريف

ألفت يوميه، ويا ربما ... يؤلف شيء غير مألوف

حدث أبو عبد الله أحمد بن اسماعيل المعروف بزنجي كاتب ابن الفرات قال: لما نكب ابن مقلة وحبس لم أدخل إليه في محبسه ولا كاتبته ولا توجعت له على ما بيني وبينه من المودة والصداقة خوفاً من ابن الفرات، فلما طالت به المحنة كتب إلي رقعة فيها:

ترى حرمت كتب الإخلاء بينهم، ... أبن لي، أم القرطاس أصبح غاليا

فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ماهيا

صديقك من راعاك في كل شدةٍ ... وكلاً تراه في الرخاء مراعيا

فهلك عدوي لا صديقي فإنني ... رأيت الأعادي يرحمون الأعاديا

ومن شعره ما كتب به إلى ولده وقد مرض:

لقاك ربك صحةً وسلامة ً، ... ووقاك بي من طارق الأهواء

ذكرت شكاتك لي وكأسي في يدي، ... فمزجتها دمعي مكان الماء

ومن شعره:

لست ذا ذلة إذا غضني الده ... ر ولا شامخاً إذا واتاني

أنا نار في مرتقى نفس الحا ... سد ماء جارٍ مع الإخوان

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account