مثلَ الفِرِنْد عَلَى القَوا ... ضبِ والفَرِيد علَى التَّرَائبْ
لله توفيقُ الإما ... مِ العدْل في اللَّقَب المُنَاسِبْ
يا خيرَ من ركب الجِيَا ... دَ وقادَها قُبّاً شَوَازِبْ
أغنَيتَني كلّ الغِنَى ... وكسَبتَني أَسنَى المكاسِبْ
شَرَفاً تُلِقّبهُ العِدَا ... سَرَفاً فيالك من معايبْ
وكسَوتَني حُللاً صَقَلْ ... ن خَواطِري صَقْلَ القَواضِبْ
حُلَلاً كديباج الخدُو ... دِ مطرَّزَات بالشّوَارِبْ
فلْتَشكُرنَّ رِياضُنَا ... جَدوَى سَحائبكَ الصَّوائبْ
ولتَنْظِمَنّ لك القصَا ... ئدَ كالقَلائِد للْكَوَاعِبْ
والنمري هذا مليح الشعر والأدب والخُلُق، ولما توجّه إلى ذي الكفايتين من البصرة وصف بعض ما عَنّاه فقال:
لما رأيتُ كرم الأَصما
وشجر البلوط خضراً عمّا
وفتية عن الفصيح صُمّا
ذكرتُ بالبصرة نخلاً جمّا
وفتية بيض الوجوه شما
ناديتُ ياللَّهم فرِّج غَمّا
ما أَسْرعَ الشيء إِذا ما حُمَّا
فأما الجملة التي تمّت في أمر أبي الفتح ذي الكفايتين، فقد كنتُ في أول الكتاب قد وعدتُ بروايتها، وهذا موضعها على ما سنَح الرأي فيه، ولعلّها تُفيد وإن لم تكن من خاصّ ما في هذه الجملة؛ لأن الرسالة قد صارت كتاب خُرافة، وذاك أن القصد الأول لم ينحرف إلى هذه الفنون والشُّعب، ولكن الحديث ذُو شجون، وله نَزْوةٌ من القلب على اللسان، ودبيب على اللسان من القلب، والاحتراس منه يقلّ، والغلط فيه يعرض، وحفظ الكلام على سننه من الكلف الشاقة والأمور الصعبة واللسان فيه أكثر إنصافاً من القلم، واللفظ أعدل من الخطّ.
وبعد وقبل فالكلام في نشر العيب، وكشف القناع، وتدنيس العِرض، وهجو الإنسان، ووصفه بالخبائث أكثر استمراراً، والمتكلّم فيه أظهر نشاطاً، وأمرنُ عادة، وأوقد هاجساً، وأحضر عاطساً، وهذا لأن الشر طباع والخير تكلُّف، والطِّينة أغلب.
وقد قال بعض فتيان خُراسان: الإحسان من الإنسان زلّة، والرحمة من القادر أُعجوبة، والظُّلم من المُدلّ مألوف.
وقد قيل لبعض من انتجع مأمولاً وأدرك حاجته منه: كيف انقلبت عن فلان؟ فقال: منعني لذة هِجائه، وأكرهني على حسن الثّناء عليه، والقلوب مجبولة على حُبّ الإحسان، والألسنة تابعة للقلوب، كما أن العيون ناطقة عن الضّمائر؛ ولهذا قال الشاعر:
تُحدِّثُني العَيْنانِ ما القَلْبُ كَاتِمٌ ... ولاجِنَّ بالبَغْضَاءِ والنظَرِ الشَزْرِ
أي لا حائل ولا ستر. واللحظ رائد، والقلب شاهد؛ والرائد لا يكذب أهله، والشاهد لا يكذب نفسه.
وقلت لأبي سليمان شيخنا ببغداد، وكان يُتهادى كلامه، ويُتشاحُّ على ما يُسمع منه: لم صار السبّ والهجاء وذكر كل عورة وفحشاء أخفّ على من حُرم مأموله، ومُنع مُلتمسه، من الوصف الحسن والثّناء الجميل، والمدح الأغرّ المحجّل، والتّقريظ البليغ المتقبّل على من صدقه ظنّه، وتحقّق رجاؤه، وحضرته أُمنيته؟ فقال: لأن الذي يمدح يعلم من نفسه ما عندها كالعتيد، والذي يثلب يأخذ لنفسه ما ليس عندها كالمستقبِل؛ فالفصل بينهما كالفصل بين الغارم وما يملكه، وبين الغانم ما يطلبه.
وهذا كما قال، وهو أرجع إلى شفاء النفس وبر الغليل، وإلى بلوغ الغاية والاستيلاء على النّهاية.
*** كان من الحديث الذي زللنا عنه قليلاً إلى هذا الموضع أن رُكن الدولة لما مات في أول سنة ستٍ وستين وثلاثمائة، اجتمع أبو الفتح ذو الكفايتين، وعليُّ بن كَامة، وتعاهدا وتعاقدا وتوافقا وتحالفا، وبذل كل واحد منهما لصاحبه الإخلاص في المودّة في السرّ والجهر، والذَّبّ في الظاهر والباطن، والتوقير عند الصغير والكبير، واجتهدا في الإيمان الغامسة، والعقود المؤرَّبة، والأسباب المُغارة الفتل، ودبّرا أمر الجيش، وردّ النافر وركِبا الخطر الحاضر، وعانقا الخطْب العاقر، وباشر كل ذلك أبو الفتح خاصة بحدٍ من نفسه، وصريمة من رأيه، وجودة فكره، وصحّة نيته؛ وتوفيق ربّه.