FluentPlex

The Wonders of Destiny

مع ابن عثمان وعسكره من المغالطة

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ولا زال فحل كلامه ينزو على حجر حجرهم ولا يجفر، مزخرفاً بتمويهات تزري فصاحتها بكلام الأسود بن يعفر، غائصاً في دردور أفكارهم ليردها عن أن تتبع ابن عثمان وتقفر " كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر " حتى إذا خلبهم بهذا المقال، واستجنحهم إلى معنى ما قال، واستهواهم حب الرياسة الذي طالما استرق أحرار الصديقين، واستعبد كبار الأولياء والصالحين، وكبكب في النار على الرءوس، رءوس العلماء العالمين، فوافقوه على الانخزال عند الموافقة للنزال

ذكر ما صنعه ابن عثمان من الفكر الوبيل

وتوجهه إلى ملاقاة تيمور بطود عسكره الثقيل

فأما ابن عثمان فإنه خاف منه الهجوم، على بلاد الروم، لأن الزروع كانت قد استحصدت، وصدور الفواكه والثمار قد استنهدت، وخضروات الأرض قد اسودت، والرعايا في ظل الأمن والرفاهية قد امتدت، فخشي ابن عثمان أن يصيب العباد منه ضرر، أو يتطاير إلى قبائل بلاده من لهيب ناره شرر، فبادر إلى ملاقاته، وساقته سوائق المنون إلى شرب كأسها في مساقاته، وأراد أن يكون مصطدم الباس، خارج بلاده على ضواحي سيواس، فأجرى من عساكره السيول الهامرة، وأخذ بهم على قفار غامرة، حذراً على رعاياه، من مواطئ مطاياه، فإنه كان على الضعيف من رعيته شفيقاً، وبالفقير من حشمه وخدمه رفيقاً يحكى أنه كان في بعض مغازيه، فعطش بعض حاشيه، فأتى في قرية بعض النساء، فطلب منها شربة ماء، وكانت أشأم من البسوس، يضرب بها المثل في اللؤم والبوس، فقالت ما عندي ما تشرب، فخذ طريقك ولا تتعب، وكان العطش قد غلبه، ورأى عندها في بعض القعبة شربة لبن فشربه، فقالت هذا قوت الصبيان، واشتكت عليه لابن عثمان، فطلبه واستفسره، فخاف شدة نقمته فأنكره، فقال للمرأة أنا أبعج قبقبه، وأتبين صدقه وكذبه، فإن ظهر في بطنه اللبن، أعطيتك الثمن، وإن تبينت بالصدق قوله، جعلتك مثلة مثله، فقالت والله إنه شربه، وما فهمت في حقه بكذبه، ولكني فرجت كربته، وأبرأت ذمته فقال لابد من إجراء العدل، وإنهاء هذه الحكومة بالفصل، ثم دعا بالسيف ووسطه، وأجرى على بطنه ما شرطه، فانفجر بطنه وهو منعقر، وجرى اللبن وهو بدمه ممذقر، فأشهره في الوثاق، ونادى عليه هذا جزاء من يتناول في دولة الملك العادل ابن عثمان شيئاً بغير استحقاق، ثم إن ابن عثمان تابع الترحال، وسلك في رمضان السفر صوم الوصال

ذكر ما فعله ذلك الساقطه

مع ابن عثمان وعسكره من المغالطة

ولما بلغ تيمور أن ابن عثمان أخذ الطريق الغامرة، نبذه نبذ اليهود كتاب الله وراء ظهورهم وأخذ على الجادة العامرة، فدخل هو وعسكره على ظلال وعيون " وفواكه مما يشتهون " ولسان حالهم الفصيح، ينشد في الآفاق ويصيح

ولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثاً ما تناولت أم كسبا

فلم يزالوا في مراح وزروع، ومراع وضروع، بين " سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب " وهواء بالراحة مصبوب، ونعيم بالسلامة مصحوب، في أمن ودعة، وخصب وسعة، آمناً من الوجل، سائراً على غير عجل مستيقناً بالنصر والظفر، مستبشراً بالملك والوزر، مستتبعاً تدبيره القضاء والقدر، لا تبرد حرارة حميته لتسخين عين عدوه وإحراز المغنم البادر فترة، ولا في إكليل كواكب عساكره المنتظمة نثرة، ولا بين أسود جيشه مكاشرة ولا نفرة، ولا في قراهم الأعادي اللهذميات على موائد طعام طعانهم جبن ولا كسرة فلم يفق ابن عثمان من رقاده، إلا وتيمور قد دمر على بلاده، فقامت عليه القيامة، وأكل يديه حسرة وندامة، وزأر وزقا، والتهب حنقا، وكاد أن يموت خنقا، وسلب القرار والهجوع، وعزم في الحال على الرجوع، فتلاطمت من بحر عساكر أمواجه، وتصادمت أثباج أطواده وأبراجه، فرجع عوده على بدئه، وأغرى بوصال السير وحجئه، فنهكهم السير بسرعته، والمكان بقفرته، والزمان بهجيره، والسلطان بزئيره، فلم يدركوه إلا وقد ذاب كل منهم وصبا، وتلا لسان حاله " لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " " فصل " وكان تيمور قد وصل إلى مدينة أنقرة، وخيله ورجله مستريحة موفرة، للقتال منتظرة، وللنزال متشمرة، بل لم يكونوا به مكترثين، ولا به محتفلين وقد سبقوا كصناديد قريش إلى الماء، وتركوا عساكره كمسلمي بدر في جانب الظماء، فهلكوا كرباً وأوما، وذابوا عطشاً بلا ماء، وكأنه إلى ذلك المنزل هو أرشدهم وبلسان حالهم أنشدهم

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا